ابتسامة الغفران

 

 

عائض الأحمد

يُقال: لماذا لا تُطلق الطفل الذي بداخلك؟ لعلّك تتحرّر من كلّ ما يؤذيك ويُثقل تساؤلاتك. هناك شيءٌ ما يُحرّضك أن تُخطئ… أن تستمتع بهفواتك، كما لو أنّ الجميع يُصفّق لك، ويضحك منك وعليك، وأنت تستدعي براءتك، مُعيدًا خطوات طفولتك بخطأٍ واحدٍ جديد.

الطفل لا يرى في الخطأ عيبًا، بل يراه طريقًا إلى دهشةٍ جديدة، وحكايةٍ تُروى، وسقوطٍ يتبعه ابتسامة. نحن من علّمناه الخجل، ووضعنا حول هفواته أسوارًا من خوف، ثم كبرنا… وصار الخطأ عندنا إدانة، بعد أن كان اكتشافًا. ربما لا نحتاج أن نُبرّر أخطاءنا، ولا أن نُصرّ على تكرارها، لكن أن نسمح لأنفسنا أحيانًا أن نُخطئ دون جلدٍ قاسٍ، أن نُخطئ ونتعلّم، لا أن نُخطئ فننكسر. فالطفل الذي بداخلنا لا يريد الفوضى… إنما يريد فسحةً صغيرة نكون فيها كما نحن، بلا أقنعةٍ ثقيلة، ولا خوفٍ من تصفيقٍ انقلب سخرية.

لكنّ الخطأ حين يصدر منّا كبارًا لا يُقابَل بدهشةٍ ولا بضحك، بل بسؤالٍ مُدانٍ: كيف لمن هو في موقعك أن يفعل ما لا يليق؟ كأنّ المواقع تُنزّه أصحابها، وكأنّ البشر ملائكةُ الأرض، ينزلون مبشّرين ومنذرين على من أراد بهم سوءًا. لم أكن أعلم أن خطأً واحدًا قد يحتمل سنواتٍ عجافًا، أقضيها معتذرًا، كأنّه خطيئةٌ لا تُمحى من ذاكرة كلّ هؤلاء. والأغرب من ذلك… أن يُستدعى حين أتجاوزه- في أغلب ظنّي- فيأتي أحدهم ليقول: “لكنني لن أنسى ما فعلت.” كأنّ الحكايات الشعبية كانت على حق، حين أقام أحدهم وليمةً لأبناء قريته، واشترط ألّا يذكروا ما كان يفعله في لحظات ضعفه وطيشه. وما إن انتهت الأمسية وأُغلقت الأبواب، حتى عادوا شاكرين له أنّه لم يعد كما كان… وكأنّهم لم يغادروا عتبة منزله أصلًا، ولكنهم لم يحملوا غفرانهم معهم. ولعلّهم تناسوا أنّ الخطأ رديفُ الصواب، يسيران معًا، يتشابهان ويتقاطعان في مواقف كثيرة، ولا يفصل بينهما إلّا إنسانٌ، ومكانٌ، وزمان.

لها: لم يكن خطئي وحده ما أثقل الأعوام، بل حاجتي أن يُسامحني الجميع، وكأنّ الغفران لا يكتمل إن لم يُوقّعوا عليه واحدًا واحدًا.

شيء من ذاته: تعلّمت متأخرًا أن بعض الأخطاء تُغفر في الداخل أولًا، ثم يهدأ صخب الخارج وحده.

نقد: رجائي أن لا تعيديني إلى نقطة اللاعودة، كلما استشرقت القادم، نكثتِ جرحًا غائر.

الأكثر قراءة

z