اليمن بين ولاءين ضائعين ووطنٍ مُغيَّب

 

 

 

أحمد بن محمد العامري

ahmedalameri@live.com

 

مأساةُ اليمن أنّها حربٌ عليه لا من أجله؛ حربٌ تلتهم الأرض والإنسان وتُفرِّغ الوطن من معناه، حتى يغدو الاسمُ باقيًا والجسدُ مستنزَفًا، وطنٌ تتخاطفه فِرقتان، لكلٍّ منهما ولاءٌ لا يمتّ إليه بصلة: فريقٌ بولاءٍ عابرٍ للحدود، يستمدّ رؤيته وقراره من وراء الجغرافيا، ويقيس مصلحة البلاد بميزان الخارج؛ وفريقٌ آخر بولاءٍ عابرٍ للمجتمع، تحكمه حساباتُ الفئة وضيقُ المصالح، فيختزل الوطن في جماعة، ويختزل الجماعة في سلطة.

وبين هذين الولاءين الضائعين، يتوارى الولاءُ لليمن ذاته؛ حيث يُهمَّش صوتُه إن ارتفع، ويُشوَّه إن صدح، ويُدفَع أصحابُه إلى المنافي إن أصرّوا. من جعل انتماءه للأرض والناس، لا للمحاور ولا للمغانم، أُقصي تهميشًا، أو أُسكِت قسرًا، أو دفع ثمن ثباته قتلاً أو تهجيرًا.

غير أنّ المأساة لا تقف عند حدود الانقسام السياسي؛ بل تمتدّ إلى عمق البنية الاجتماعية والاقتصادية. فقد أرهقت الحرب مؤسسات الدولة حتى تآكلت، وتحوّلت الخدمات الأساسية إلى امتيازات نادرة، وأصبح المواطن البسيط هو الحلقة الأضعف في معادلة صراع لا يملك فيه قرارًا ولا صوتًا. المدارس التي كانت تفتح أبوابها للأمل أغلقت أو ضعفت، والمستشفيات التي كانت ملاذًا للمرضى باتت تعاني نقصًا في الإمكانات، والوظيفة العامة التي كانت مصدر استقرار تحوّلت إلى ذكرى أو انتظار طويل.

وفي ظل هذا المشهد، تتشكّل سرديات متنازعة، كلٌّ منها يدّعي احتكار الحقيقة وتمثيل الإرادة العامة. غير أنّ الحقيقة الأعمق تظلّ غائبة خلف ضجيج الشعارات؛ إذ لا يكفي أن يُرفع اسم الوطن في الخُطب، ما لم يكن حاضرًا في السياسات والممارسات. فالوطن ليس راية تُستدعى عند الحاجة، بل عقدًا أخلاقيًا بين الحاكم والمحكوم، ومسؤولية مشتركة تُقاس بقدر ما تحققه من كرامة وعدالة وأمن.

لقد أدّى اختلال البوصلة إلى تشويه الأولويات؛ فبدل أن يكون بناء الإنسان هو الغاية، صار الإنسان وقودًا للصراع. وبدل أن تكون الدولة إطارًا جامعًا، تحوّلت إلى ساحة نفوذ وتنافس. ومع كل جولة جديدة من التوتر، يتعمّق الشرخ، وتتراكم مشاعر الريبة، ويبتعد حلم الدولة الجامعة خطوة أخرى.

ومع ذلك، فإن اختزال المشهد في ثنائية قاتمة يُغفل جانبًا مهمًا؛ فثمّة أصوات يمنية ما تزال تؤمن بأن الوطن أكبر من كل الولاءات الضيقة، وأن الخلاص لا يكون إلا بإعادة تعريف السياسة باعتبارها خدمةً للصالح العام لا صراعًا على الغلبة. هذه الأصوات، وإن بدت خافتة، تمثّل بذرة أمل، لأنها تنطلق من فكرة بسيطة وعميقة في آنٍ واحد: لا مستقبل لليمن إلا بيمنٍ يتّسع لجميع أبنائه.

إنَّ استعادة اليمن غايةً لا ساحةً تقتضي مراجعة شاملة للمسار، تبدأ بالاعتراف بأن استمرار الانقسام لا ينتج إلا مزيدًا من الخسارة. فلا فريق يستطيع أن يبني استقرارًا دائمًا على إقصاء نصف المجتمع، ولا يمكن لأي مشروع سياسي أن ينجح إذا كان قائمًا على استدعاء الخارج أو إلغاء الداخل. وحده التوافق الوطني، القائم على شراكة حقيقية وعدالة متوازنة، يمكن أن يفتح نافذة نحو سلام مستدام.

السلام هنا ليس مجرد توقيع اتفاق، بل إعادة بناء للثقة، وترميم للنسيج الاجتماعي، وإحياء لمعنى الدولة بوصفها حاضنةً للجميع. وهو أيضًا تحصين للقرار الوطني من الارتهان، وتحرير للسياسة من منطق الغنيمة. فحين يصبح اليمن هو المعيار، تتراجع الاصطفافات، وتُعاد صياغة الأولويات على أساس ما يخدم المواطن لا ما يعمّق الانقسام.

هكذا تتعمّق المأساة؛ لا لأن الصراع قائمٌ فحسب، بل لأن بوصلة الصراع مختلّة. فحين يغيب اليمن غايةً ويصبح ساحةً، تتحوّل الحرب من ادّعاء خلاصٍ إلى صناعة خراب، ويغدو السلام مؤجَّلًا ما دام الولاءُ لليمن استثناءً لا قاعدة. غير أنّ إعادة الاعتبار لهذا الولاء ليست حلمًا مستحيلًا، بل خيارًا أخلاقيًا وسياسيًا ينتظر إرادةً صادقة تُقدّم الوطن على ما سواه، وتعيد لليمن مكانته في قلوب أبنائه قبل خرائط الجغرافيا.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z