محمد بن رامس الرواس
"يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار" رواه الترمذي وابن ماجة.
تحتل الصدقة مكانة عظيمة في منظومة قيمنا الدينية و الاجتماعية والإنسانية عامة حيث تعد من أفضل العبادات والقربات لله، إذ إنها لا تُعدّ مجرد فعل مالي عابر، بل تُشكّل إحدى الركائز الأخلاقية والأخوية التي قامت عليها المجتمعات الإسلامية، ففي الثقافة الإسلامية، ارتبط العطاء بمعاني الرحمة والتكافل والتآزر مما يخلق التوازن الاجتماعي، حتى لا يكون الغني بمعزل عن الفقير، ولا المقتدر بعيداً عن المحتاج والمعسر، لقد كانت الصدقة، ولا تزال أداة مجتمعية فاعلة لإعادة توزيع الطمأنينة داخل المجتمع قبل أن تكون وسيلة لتوزيع المال.
ومن أهم أوجه الصدقة: الزكاة الواجبة، والصدقة التطوعية، والصدقة الجارية التي تصل المسلم حتى بعد وفاته، ومن أفضل الصدقات الصدقة المخفية، والصدقة في الأقارب والأرحام وفي سبيل الله وفي أوقات الأزمات.
والصدقة في معناها ومضمونها الأصيل ليست انتقال المال من يد إلى يد، بل في الواقع انتقال قيمة أخوية أمرنا الله عز وجل به حيث قال تعالى "مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً" (البقرة: 245)، وحثَّ عليها رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: "مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ" رواه مسلم، والصدقة هي في ديننا الحنيف هي تعبير عملي عن وعي المسلم لمسؤوليته الاجتماعية أمام الله وأمام مجتمعه وإدراكه أن المجتمع كيان مترابط لا يقوم على الفردية، بل على روح التراحم والتضامن والتآزر، ولهذا لم تكن الصدقة يوماً في النهج الإسلامي إلا فعل يضمن التوازن في المجتمع، ويحد من الفوارق المادية بين أبناء المجتمع الواحد.
والصدقة في معناها الواسع في ديننا الحنيف لم تكن مقصورة على الأثرياء فقط، بل هي سلوك يومي يستطيع أن يمارسه المسلمون بقدر استطاعتهم سواء كان المرء قليل المال، أو قليل الطعام وأقلها الكلمة الطيبة والابتسامة والأمر بالمعروف كما أخبرنا سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام.
ولا يغيب علينا اليوم أنَّ الصدقة تواجه تحديات كثيرة في ظل النزعة الاستهلاكية والتعقيدات الاقتصادية الحاصلة، وإيقاع الحياة المتسارع وغيرها من التحولات بالمجتمعات الحديثة، لذلك لا يجب أن تكون الصدقة محصورة في المواسم أو المناسبات، بل يجب أن تكون مستمرة دائماً وفي كل الأوقات والأحوال وإن كان أفضلها في شهر رمضان المبارك.
والصدقة في صورتها الواقعية هي جزء من التفاعل الإيجابي اليومي وهي عادة ما تكون أكثر نضجاً وممارسة في الأحياء والقرى التي يعرف الجيران فيها بعضهم البعض ويعرف كل واحد منهم حاجة أخيه ومدى ما يمكن أن يقدمه له لكي يحفظ له كرامته، وفي مثل هذه المجتمعات المتآزرة، تقدم الصدقة بشكل تلقائي وعفوي بعيدا عن الاستعراض والتوثيق لأنها تكون ذات قيمة حقيقية فهي لا تشمل المال فقط، بل تتعداه إلى رأب الصدع وتخفيف القلق وتعزيز مشاعر التكافل بالكلمة الطيبة والنصيحة، حينها تنشأ حالة من الطمأنينة بين الجميع يصعب قياسها بالأرقام لكنها واضحة في استقرار المجتمع وتماسكه.
ختامًا.. تبقى الصدقة واحدة من أكثر القيم الإسلامية قدرة على إعادة تشكيل الوعي لأنها تذكّر الإنسان بأنه كائن اجتماعي لا يكتمل إلا مع الآخرين، وحين تُمارَس الصدقة بوجهها الذي أشار إليه نبينا الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام؛ إذ حثَّ عليها كعلاج، ودفع للبلاء، وتطهير للذنوب، قائلًا: "الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار"، و"داووا مرضاكم بالصدقة". كما وعد الله المتصدقين. والصدقة لا تسد حاجة المُعسر فقط، بل تتعداه إلى أكثر من ذلك؛ حيث تنشر قيم عظيمة أولها الأخوة التي دعا إليها رسولنا وديننا الحنيف من أجل أن يكون هناك مجتمع متماسك قوي من خلال أفعال وممارسات أبنائه.
