ماجد الهادي
"إن ظمأ الروح أعظم من ارتواء المادة، وخوف النفس أحب من طمأنينة الجسد" جبران خليل جبران.
يُجبر الإنسان على العيش تحت ضغوط نفسية مُرتبطة بالحياة اليومية، فتبدر منه تصرفات لا إرادية ذات انفعالات عصبية، لا تمثل طبيعته الحقيقية، وليست بالضرورة تكون ماهيته السلوكية، بل ربما كشفت الغطاء عن الشخصية المخبوءة خلف أقنعة الصمت، المزخرفة حوله تراكمات الحياة بأنواعها وأشكالها، تلك التي اكتسبها من البيئة المحيطة (الأسرة، الأصدقاء، المدرسة، العمل، المجتمع)، وأصبحت ديدنه في الحياة وهويته للدخول في كل التعاملات والتفاعلات مع النفس ومع الغير.
الجهاز العصبي حين يرهق يفقد الإنسان مرونته في التصرف والتواصل، فيبدو عدوانيًا وهو في الأصل مسالم، أو قاسيًا وفي أعماقه رقيق وطيب. البناء السلوكي لهذا التصرف العدواني لم يأتِ من فراغ، ولم تستكمل مراحل بنيانه إلا بعد أن يكون الجهاز العصبي قد استنفد كل خياراته في الهدوء والحماية الجسدية. ستكون كل الأسباب قد نقشت بصماتها على كل فعل ورد فعل، وستكون كل التصرفات مشحونة بالكراهية والبغضاء أولًا من النفس ذاتها وأخيرًا من الغير. وهذا الغير ليس بالضرورة أن يكون إنسانًا، قد يكون جمادًا أو مخلوقًا آخر، فالمهم عند الجهاز العصبي هو (الانتقام الذاتي) ترجمة الكراهية والبغضاء إلى فعل، وهذا الفعل سيجسد على صورة (تحطيم، تكسير... إلخ).
الإنسان العدواني هو شخص يتبنى سلوكيات مقصودة (جسدية، لفظية، أو نفسية) لإلحاق الأذى بالآخرين، الأشياء، أو حتى النفس. يظهر العدوان عبر العناد، الصراخ، والشتائم، أو التدمير، مدفوعًا بالإحباط، الرغبة في السيطرة، أو مشاكل نفسية وبيولوجية. وكما أسلفت فإن المصادر لكل تلك الإرهاصات النفسية هي البيئة المحيطة. فلا يغررك المظهر ولا تتسرع في الحكم على شخص لم تتعامل معه بما يكفي. كم وكم من الزيف اكتشفناه من خلال تسرعنا في الحكم على الآخر، وأعني هنا بالزيف ما زيفه عقلي أنا كمفسر للتصرف، وما زيفه عقل المتصرف لنفسه فظهر غير صورته الحقيقية.
إننا بصدد معضلة نفسية تغرق في بحورها الكثير من المفاهيم والتفسيرات والتعليلات، إننا بصدد الولوج في متاهات التبرير، وإن كان التبرير في مثل هذه المواقف ليس له متكأ. السؤال الذي يطرح نفسه في خضم هذه المواقف النفسية المضللة: هل التبرير يشفع للتصرف العدواني؟ وهل الدوافع حقيقية للتصرف؟ أم إنها لعبة نفسية يقوم ببطولتها الجهاز العصبي مع باقي الإدراكات الحسية والعقلية؟ لأن الفترة الزمنية التي يعيشها هذا الاضطراب النفسي قد لا تتجاوز الدقائق المعدودة، بعدها ترجع الحواس إلى طبيعتها، وترجع التصرفات إلى واقع هادئ، بل إن الندم سيكون الشغل الشاغل، وسيصاحب الندم تعهدات وحرص وترقب خوف وقلق.
يؤكد علماء النفس والمهتمون والباحثون في دراسة سلوك الإنسان العدواني أن له علامات شخصية عدوانية، حيث إن الشخص العدواني المسيء يمكن أن يلجأ إلى العنف الجسدي بأن يقوم بإذلال شخص آخر وإهانته والسيطرة عليه بشكل منتظم. فيحاول الشخص العدواني المسيء التحكم بكافة مجالات حياة ضحيته، وقمع حريته واستقلاله، حيث يمكن أن يمنعه من التواصل مع أصدقائه وأقاربه، ومراقبة شؤونه المالية وتقييد حركته، ويستخدم أساليب مختلفة من الإيذاء العاطفي مثل الإذلال والتهديدات لتقويض احترام الضحية لذاتها، ما يجعلها تشعر بالعجز والتبعية. ويمكن له اللجوء إلى العنف الجسدي بما فيه الضرب وغيره من الإجراءات العدوانية، فضلًا عن ذلك يستخدم الشخص المسيء الكذب والتلاعب من أجل تحقيق أهدافه والتحكم بالضحية.
كل ذلك يدور بين أروقة الجهاز العصبي المضغوط بالتراكمات الحياتية، والمدفوع بقوة بالاستفزازات المتكررة. بالطبع فإن هذا الإنسان سيبقى إنسانًا قدر له أن يعيش تحت وطأة ظروف لا حيلة له بها، سيبقى إنسانًا واجب علينا الوقوف بجانبه، والشعور بما يحسه والتعاطف بما يشعره، ونتعاون معه لإنقاذه من وضعيته البئيسة.
وهذا لا يتأتى إلا بكيفية التعامل معه من ناحية المحافظة على الهدوء وتجنب رد الفعل العنيف أو الانفعال، الاستماع إليه دون مقاطعة، وإظهار التفهم له (دون الموافقة على السلوك)، نتحدث إليه بنبرة منخفضة ونحافظ على لغة جسد هادئة، ونضع حدودًا بحيث نتجنب انتقاد الشخص ذاته، ويكون جل تركيزنا على أن السلوك غير مقبول.
