سارة علي البريكي
في رمضان تصبح الأيام أجمل والساعات والليالي تفوح منها رائحة الحب والبهجة واجتماع العائلة مع بعضهم البعض مهما تناقصت تلك اللمة لا بُد لها أن تكتمل في أيام الإجازة الأسبوعية فلمة الأهل والأصدقاء والجيران لا تقدر بثمن، كما تعلو أصوات المآذن، وننتظر بشغف صوت المؤذن حتى نفطر جميعًا بقلب واحد؛ فهناك من يجلس عند الباب كي يوصل خبر أن الآذان صدح، فهلموا للإفطار، وبعد الإفطار يتوجه الذكور سريعًا إلى المسجد لأداء صلاة المغرب بينما تُعد الأم والأخوات السفرة الجميلة، ويذهبن للصلاة.
عند آذان العشاء يتوجه الرجال والنساء إلى المسجد لأداء فريضة العشاء وتتبعها صلاة التراويح التي لها وقع كبير وشوق أكبر وروحانية مختلفة تلك الصلاة التي يشتاق إليها المسلمون من عام إلى آخر ويترقبون بشوق سماع خبر شهر رمضان فيتوجهون بقلوب ملؤها الإيمان نحو المسجد لأداء تلك الصلاة المباركة؛ فيعُمّ السلام والسكينة والطمأنينة، وتتبدل الأجواء إلى اجواء أخرى وسعادات لا تقدر بثمن؛ حيث يتفنن المرء في العبادات ويجد لنفسه الوقت بين زحمة انشغالاته ويعلم أنه في سباق وتنافس على تجارة لن تبور فتكثر التلاوات وتزداد الختمات القرآنية وتسكن النفوس الفرحة بلقاء وجه الله سبحانه وتعالى بحب كبير.
في رمضان يتصالح المتخاصمون لأن الدين الإسلامي حثَّ على التسامح؛ حيث جاء في الحديث: "وخيرهم الذي يبدأ بالسلام"؛ فاصنع لنفسك خير وتسامح وتصالح، وإن حدثت الأخطاء تجاوز، وحاول أن تهجرهم هجرًا جميلًا، ولكن لا تنسى أن تنتبه؛ فبعض الأشخاص لا يتغيرون ولا يغيرهم الشهر الكريم، فمن لا يصلي في الشهور العادية كيف يصلي في رمضان فقط، ومن لا يتبع تعاليم الدين الإسلامي كيف سيتبع في رمضان فقط، وقس عليها كثيرون وكثر؛ فالمرأة المسلمة لا ينبغي لها أن تترك حجابها في أغلب شهور السنة وترتديه في رمضان، فليس من أخلاقنا ولا قيمنا ولا تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف، وقواعد الفقه الحنيف لا تختلف بتغيُّر الشهور، ومن لم يغيره رمضان واحد لن يغيره مليون رمضان، ما دامت نفسه الأمارة بالسوء تقوده لفعل المنكرات والمعاصي، وهذا وتلك لن تجدي أفعالهم نفعًا ما دامت نفوسهم السيئة تقودهم لتجاهل صوت الضمير الحي، إن كان هناك ضمير أصلًا!
حاول في رمضان أن تترك شاشة جوالك التي اعتدت في النظر إليها كلما استيقظت من نومك، وحاول أن تهجر المجموعات المليئة بالأخبار المزعجة، وأيضا تلك التي تملؤها الفتنة والقيل والقال، واترك مراقبة الناس؛ فمن راقب الناس مات همًّا، واترك أثرًا لك يذكرك الناس فيه بالخير، ولا يغرك صغر سنك، فكم من صغير صام بيننا في أعوام سابقة، أصبح الآن بين اللحود والقبور، ولا تتوقع أنك ستعيش كثيرًا؛ فعامل رمضانك هذا وكأنَّه الأخير، وقف وقفة صدق مع نفسك وحاسبها، وحاول أن تُغيِّر من نفسك شيئًا فشيئًا، وستجد نفسك سبّاقة للخير دائمًا وشغوفة لذكر الله، فما هي غاية الوجود في هذه الحياة سوى ذكر الله تعالى.
غالِب النفس الأمارة بالسوء، واستقم كما أُمِرْت، وانتبه من لجان الزكاة التي توزع المؤونة الرمضانية على أولئك غير المستحقين لها، وانتبه أن تتجه نحو الحرام؛ فحتى تلك المؤونة التي تأخذها ربما قد أُعدت لأسرة ضعيفة الحال ليس لديها قوت يومها، فكن قنوعًا بما لديك، ولا تنجرف وتُزاحِم الفقير على بعضٍ من حقوقه؛ فما تراه شيئًا عاديًا، هناك عائلات أخرى لا تستطيع الحصول عليه، فكن حذرًا وكن عونًا وساند الآخرين ولا تأكل حقوقهم.
