د. هبة محمد العطار
ليس كل حركة حياة، ولا كل انتقال تقدم. أحيانًا يكون البقاء هو أعمق أشكال الرحلة، في ذاكرة الموروث الشعبي العربي، تختبئ حكمٌ تشبه الفلاسفة، لكنها تتحدث بلسان البسطاء. والمثل "كثير النط قليل الصيد" ليس مجرد تعليق ساخر على من يتحرك بلا توقف، بل هو تأملٌ عميق في فلسفة التجربة الإنسانية، وفي العلاقة بين الحركة والمعنى، بين التغيير والرسوخ.
نحن أبناء زمنٍ يمجّد السرعة وكثرة الإنجاز، حتى أصبح التغيير غاية في ذاته لا وسيلة للارتقاء. نتنقّل بين الأعمال والصداقات والأحلام كمن يقفز بين الحجارة وسط النهر، لا ليعبره، بل خوفًا من الوقوف في المنتصف. ومع كل قفزةٍ جديدة، نفقد شيئًا من ثقلنا الداخلي، من جذورنا، من قدرتنا على التعمق. لقد صار الإنسان المعاصر يعرف كثيرًا من الأشياء بسطحيتها لا ببواطنها ومكامنها، يتحرك كثيرًا، لكنه لا يصل إلى شيء.
الخبرة لا تُقاس بعدد التجارب، بل بعمق التجربة الواحدة. من يبدّل المهنة كل عام لا يصير خبيرًا، ومن يغيّر الاتجاه كل أسبوع لا يعرف أين تشرق شمس المعنى. قال نيتشه: "من لا يستطيع البقاء طويلًا في فكرة واحدة، لا يستطيع أن يبني فكرًا." والمثل الشعبي هذا يُعيد تلك الفكرة بصوت الحياة اليومية: أن عمق المعرفة لا يسكن في التنقل، بل في التأمل والمكوث.
الثبات ليس جمودًا كما يُخيَّل للبعض. الفرق بين الثابت والجامد هو الوعي. الثابت يدرك متى يتحرك ومتى يصبر، أما الجامد فيسكن عن خوف، والمتنقل بلا هدف يتحرك عن قلق. كثيرٌ من الناس اليوم يقفزون فقط ليهربوا من أنفسهم؛ ظانين أن التغيير الخارجي يبدّل الداخل، بينما الحقيقة أن من لم يواجه ذاته في مكانه الأول، سيجدها بانتظاره في كل مكان جديد، فالهوية لا تُبنى من التجريب السريع، بل من التجذر الطويل. من يقفز كثيرًا يفقد ملامحه، لأن كل تجربة غير مكتملة تتركه بقطعة ناقصة من ذاته. الثبات هنا ليس سجنًا، بل خريطة لمعنى الإنسان. من لا يتجذر في شيء، لا ينتمي لشيء، ومن لا ينتمي، لا يثمر. فالهوية تشبه الشجرة، لا تنمو بكثرة التحرك، بل بعمق الجذور.
الزمن هو الامتحان الحقيقي لكل ما نفعله. فالأشياء العظيمة لا تولد في لحظة، بل تحتاج وقتًا لتتشكل وتكتمل. النهر لا ينحت الصخر بالقوة، بل بالاستمرار، والروح لا تنضج بالصدف، بل بالتجربة الطويلة التي تتكرر حتى تفهم ذاتها. لذلك، فالحياة لا تكافئ العابرين السريعين، بل أولئك الذين يقفون طويلًا عند المعنى حتى يصير جزءًا منهم. إن الزمن لا يمنح أسراره إلا لمن يقدّره، ولا يفتح كنوزه إلا لمن يصبر عليه.
الالتزام في عصر التبدّل السريع أصبح عملًا ثوريًا. أن تظل مخلصًا لفكرة أو لقضية أو لحلم واحد في عالمٍ يبدّل شعاراته كل يوم، هو نوع من البطولة الهادئة. فالاستمرار هنا ليس عنادًا، بل فهمٌ عميقٌ بأن الجمال الحقيقي لا يُصنع في البدايات، بل في الإكمال. من يبدأ كثيرًا ولا يُكمل شيئًا، يظل طفلًا في ثوب بالغ. أما من يُصر على الاستمرار رغم التعب، فيصنع من نفسه إنسانًا يعرف قيمة العبور الكامل لا المرور السريع.
والبطء في جوهره ليس عجزًا، بل شكلٌ من أشكال الحكمة. فالحركة البطيئة تسمح للرؤية أن تتضح، وللوعي أن يتكامل، وللروح أن تتنفس. أما السرعة فهي كالدخان، تثير الغبار ولا تترك أثرًا. الإنسان الذي يبطئ خطواته ليتأمل الطريق، لا يتأخر عن الوصول، بل يصل وهو فاهم لما وصل إليه. البطء هو رفاهية العارف، بينما السرعة هوس من لم يعرف بعد إلى أين يذهب، أن تبقى في التجربة حتى تُكمل معناها هو نوع من الشجاعة. أن تواجه الملل أو الفشل أو الصمت دون أن تهرب، هو فعل نضجٍ عميقٍ لا يُقدّره إلا من عرف طعم الاستقرار الداخلي. فالحياة لا تكافئ من يقفزون كثيرًا، بل من يصبرون حتى يفهموا الرسالة. ومن يظل في التجربة حتى نهايتها، يخرج منها بحكمةٍ لا تُشترى ولا تُستعجل. من يكثر القفز لا يهرب من الأماكن، بل من نفسه. يبحث عن الطمأنينة في الخارج، بينما هي تسكن في عمق الداخل.
إن الثبات هنا فعل تأملٍ روحي: أن تمكث لتسمع صوتك، أن تبطئ لتفهم، أن تتأنى لتزهر. الحكمة لا تأتي مع الاندفاع، بل مع الهدوء الذي يُنضج المعنى ببطء. الروح، كالأرض، لا تُثمر لمن يزرع ويرحل. إنها تنتظر من يصبر عليها، ويسقيها، ويؤمن أن الصيد الحقيقي ليس في عدد القفزات، بل في صفاء النية، وثبات القلب، وعمق الرؤية، وعلينا أن نتوقف قليلًا في عالمٍ يركض، لنكتشف أن ما نبحث عنه لم يكن بعيدًا، بل كان ينتظرنا في التجربة التي تركناها قبل أن تنضج.
