د. هبة العطار
العقل لا يستطيع الرفض حين يكون مشغولًا. ليس لأنه موافق، بل لأنه مُستنزَف. الرفض فعل وعي، والوعي يحتاج فراغًا، يحتاج لحظة صمت يرى فيها الأشياء كما هي، بلا زحام، بلا إغراء، بلا استعجال. لكن حين يُغرق العقل في الانشغال الدائم، يفقد قدرته على التوقف، ومعها يفقد قدرته على الاعتراض.
التشتيت لا يعمل كضوضاء عشوائية كما نحب أن نصدّق، بل كأداة دقيقة، محسوبة، تُبقي العين مشغولة، والذهن مستهلكًا، والقلب مُؤجَّلًا. تُلقى أمامك تفاصيل صغيرة، أخبار متلاحقة، صور، أصوات، مهام، رسائل، انشغالات يومية، لا لتملأ وقتك، بل لتمنعك من التفكير فيما يحدث فعلًا. فحين تنشغل بما يمر أمامك، تمرّ الأمور من خلفك بلا مقاومة، بلا سؤال، بلا مراجعة.
وهنا تبدأ الأمثلة في الظهور دون إعلان. في الزواج مثلًا، لا يأتي التنازل الكبير فجأة، بل يتسلل عبر الانشغال. ينشغل أحد الطرفين بالعمل، بالمسؤوليات، بإيقاع الحياة السريع، فيؤجل الحوار، ويؤجل المواجهة، ويؤجل السؤال عن الاحتياج الحقيقي. ومع الوقت، تمرّ مسافات عاطفية لم يُنتبه لها، وتُقبل أوضاع لم تكن مقبولة في البداية، لا عن رضا، بل لأن العقل لم يكن متفرغًا ليرفض.
في عالم يُدار بالتشتيت، لا تحتاج السيطرة إلى قمع مباشر، بل إلى إشغال مستمر. لا يُطلب منك أن توافق، يكفي ألا ترفض. يكفي أن تظل مشغولًا، مُرهقًا، متأخرًا عن نفسك. وهنا تكمن خطورة الأمر: أن تتغير الأشياء من حولك، وأنت حاضر جسديًا، غائب ذهنيًا، فتستيقظ يومًا لتجد أنك قبلت ما لم تختره، وتكيّفت مع ما لم توافق عليه، فقط لأنك لم تكن متفرغًا للرفض.
وفي العمل، يتكرر المشهد ذاته، لكن بلغة أكثر قسوة. مهام تتراكم، ساعات تُستنزف، ضغوط تُمارس باسم الالتزام والنجاح. يمرّ الظلم في صمت، ويُعاد تعريف الإرهاق على أنه طبيعي، ويُطلب منك التكيف لا السؤال. العقل المشغول لا يسأل عن العدالة، ولا يملك مساحة للاعتراض، فيقبل ما لم يكن ليقبله لو امتلك لحظة وعي واحدة.
العقل حين يُحرَم من الصمت، يتحول إلى أداة استقبال لا إلى أداة تفكير. يبتلع المعلومات دون هضم، يتلقى الوقائع دون تحليل، ويتعايش مع التناقضات دون أن يتوقف ليسأل: لماذا؟ وكيف؟ ولصالح من؟ وهكذا يصبح التشتيت أخطر من الكذب، لأنه لا يفرض رواية، بل يمنع تكوين أي رواية بديلة.
حتى في العلاقات الإنسانية البسيطة، تمرّ الأمور بالطريقة نفسها. صداقات تُرهق، وحدود تُخترق، وأدوار تُفرض بهدوء، لكن الانشغال يؤجل المواجهة، ويجعل الصمت يبدو أسهل. ومع الوقت، يصبح ما كان مرفوضًا مألوفًا، لا لأنه تغيّر، بل لأن الوعي غاب طويلًا.
التحرر الحقيقي لا يبدأ برفع الصوت، بل باستعادة القدرة على الانتباه. أن تُعيد للعقل حقه في التوقف، في الفراغ، في الملل حتى. لأن الملل بداية التفكير، والصمت بداية الوعي، والوعي هو الشرط الأول للرفض. من لا يملك لحظة وعي، لا يملك قرارًا، ومن لا يملك قرارًا، يعيش في مسار لم يختره.
لهذا.. أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس أن يُجبر على القبول، بل أن يُشغَل عن الرفض. أن تُدار حياته وهو منشغل بالتفاصيل، وأن تُعاد صياغة اختياراته وهو متعب أكثر من أن ينتبه. فالضوضاء ليست عدو الوعي، بل بديله المزيّف، والانشغال ليس علامة حياة، بل قد يكون أذكى أشكال الإقصاء. وحين يستعيد الإنسان قدرته على التوقف، على النظر، على السؤال، يكتشف أن أول فعل حُر في حياته لم يكن الموافقة؛ بل الرفض!
