د. هبة العطار
لسنا حين نكتب نستخدم الكتابة مجرد مرآة للذات، ولا مساحة اعتراف شخصي، ولا بكاءً مؤجلًا بلغة مهذبة، بل هي حالة تنويرية عميقة، تبدأ من الإرهاق ولا تنتهي عنده، تنبع من حفر فكري طويل في زوايا العالم المعتمة، ومن أسئلة لا تهدأ، ومن وعي يرفض الاكتفاء بالمشاهد السطحية للأشياء، الكاتب الحقيقي لا يكتب لأنه يريد أن يتكلم عن نفسه، بل لأنه لم يعد قادرًا على الصمت أمام ما يراه، أمام ما يفهمه، وأمام ما يشعر أن عليه أن يضع له شكلًا ومعنى ومسارًا.
إنها فعل كشف، لا كشف الذات وحدها، بل كشف العالم كما هو، وكما يمكن أن يكون، هي محاولة لترتيب الفوضى، لرسم خرائط داخلية لمعتركات لا نراها بالعين، لكنها تتحكم في مصائر البشر، الكاتب أشبه بمن ينزل إلى طبقات المعنى السحيقة، يحفر ببطء، يخطئ ويصيب، يتعب ويتوه، لكنه يعود وفي يده خيط ضوء، لا ليُنقذ نفسه فقط، بل ليترك علامة لمن يجيئون بعده، لمن يتعثرون في الأسئلة ذاتها ولا يجدون لغة تعينهم على الفهم، في هذا الحفر، كل جملة هي صدى، كل حرف هو رعشة، كل نص هو محاولة لفهم ما لا يُفسر بالصوت ولا يُحكى إلا بخفة الضوء الذي يمر عبر الفكر.
وفي جوهرها، الكتابة ليست يقينًا، بل مغامرة فكرية، لا تعرف من أين بدأت ولا إلى أين ستنتهي، تفتح أبوابًا لم تكن في الحسبان، وتقود صاحبها إلى اكتشافات لم يكن يبحث عنها أصلًا، هي لحظة التقاء الذات بالآخر، والفكرة بالواقع، والوعي بالتجربة الإنسانية الكبرى، وقد تكتشف في النص ذاتك دون أن تقصد، وقد تكتشف الآخر دون أن تسعى، وقد تكتشف الحياة نفسها في جملة لم تخطط لكتابتها، لكنها خرجت لأن اللحظة كانت مهيأة، ولأن المعنى قرر أن يمر عبرك.
الكتابة، في أعمق تجلياتها، حالة إلهامية ربانية، لا تُستدعى ولا تُفرض، تأتي حين تشاء، وتغادر حين تشاء، تضع الكاتب في موقع الأداة لا الصانع، في حالة تواضع وجودي أمام فيض المعنى، هي نفَس أعلى من الفرد، وأوسع من التجربة الشخصية، لذلك تبقى النصوص الحقيقية حيّة، لأنها لم تُكتب لتشرح صاحبها، بل لتضيء طريقًا، لتحدد مسارًا، لتمنح التائهين لغة يفهمون بها معاركهم، ويطمئنون إلى أن حيرتهم ليست عبثًا، وأن السؤال ذاته شكل من أشكال النجاة.
الكتابة أيضًا مواجهة للزمن، فهي تحفظ لحظة، وتجمد شعورًا، وتخترق الذاكرة، فتجعل الماضي حاضرًا والحاضر متصلاً بالمستقبل، النص المكتوب يحمل صدى اللحظة التي خرجت فيها الكلمات، ويتيح للقارئ أن يختبر تجربة الكاتب، أن يشارك الجرح والاكتشاف، أن يرى الطريق الذي لم يسلكه بنفسه بعد، وهكذا تتحول الكتابة إلى جسر بين الذات والعالم، بين الفرد والآخر، بين ما كان وما يمكن أن يكون.
الكتابة رغم كل ثقلها وإرهاقها، تمنح القارئ قوة التأمل والتساؤل، هي ليست مجرد عملية نقل للحرف أو المعنى، بل فعل وجودي جماعي، حيث يصبح النص مساحة آمنة للغوص في أسئلة الحياة الكبرى، والأسئلة الصغيرة التي تشغل القلب بلا توقف، هي تجربة مزدوجة، تجربة الكاتب وتجربة القارئ، وكل كلمة مكتوبة تصبح صدى لتفاعل عميق مع الذات والآخر والحياة، ما يجعل الكتابة إرثًا حيًا، واحتفالًا مستمرًا بالوعي الإنساني والبحث عن المعنى.
تمنحنا الكتابة طمأنينة عميقة لا تشبه أي راحة عابرة، لأنها تجعلنا نواجه صمت العالم وفوضاه، وتجعلنا نرى في الضياع مسارًا، وفي الجرح خيط نور، وفي الفكرة المجهولة بداية فهم، وفي الصمت الذي لا ينطق صدىً للحقيقة، كل نص مكتوب هو شهادة على أن الإنسان يمكنه أن يثبت وجوده من خلال الوعي، وأن الكلمات يمكن أن تكون جسورًا بين المعنى والوجود، بين ما نشعر به وما يمكن أن يصل إلى الآخرين، وبين ما نخاف أن نبوح به وما يمكن أن يفهم.
بهذا المعنى تصبح الكتابة تجربة روحانية، حالة إلهامية تتجاوز الكاتب وتكمل نفسها عبر من يقرأها، عبر من يختبرها، عبر من يشعر بثقلها كما شعر به كاتبها، كل نص يصبح مساحة مشتركة، حيث يُعترف بالألم دون أن يُحكم عليه، حيث يُحتمل الوجع دون أن يُحاصر، حيث يُفهم الصمت بلا كلمات، ويُرى المعنى بلا تفسير، وهكذا تتجاوز الكتابة حدود الورق لتصبح وجودًا حيًا يتنفس معنا، يتردد صداه في عقول وقلوب من يلتقطونه، ويصبح متنفسًا للوعي الجمعي، وجسرًا بين التجربة الفردية والحكمة الإنسانية.
الكتابة ليست مجرد نجاة فردية أو لحظة عبور عابرة، بل هي مسؤولية وجودية وفكرية وأخلاقية في الوقت ذاته، فعل يعيش فيه الكاتب وكل من يقرأ النص معًا، هي محاولة لترسيخ المعنى وسط الفوضى، ولخلق مساحة داخلية تتسع لكل الأسئلة والوجوه والألم والمفارقات التي يفرضها الوجود، الكتابة تجعلنا ندرك أن الألم ليس عبثًا، وأن التساؤل ليس هباء، وأن كل لحظة شعور هي فرصة لاكتشاف ذاتنا والعالم المحيط بنا، وأن كل كلمة نكتبها تصبح بصمة حيّة، أثرًا يبقى بعدنا، سواء قرأها الآخر أم لم يقرأها، لأن معناها يتجاوز الكاتب والقارئ ويصبح امتدادًا للوعي البشري.
