«معًا نتقدم».. الرعاية السامية وصناعة السياسات العامة

 

خالد بن سالم الغساني

 

تستمد أهمية ملتقى «معًا نتقدم» وزنها الحقيقي من الإطار السياسي والمؤسسي الذي ينعقد ضمنه؛ إذ يلتئم بتوجيهٍ مباشر من لدن حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- وبتنظيم من الأمانة العامة لمجلس الوزراء، وبحضور ورعاية صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، وهذه المعطيات لا يمكن قراءتها إلّا بوصفها مؤشرًا واضحًا على الإيمان بالتحوّل في مقاربة الدولة للحوار الوطني، وعلى المكانة التي بات يحتلها هذا الحوار بوصفه أداة من أدوات التخطيط وصناعة السياسات العامة.

حين يُدرج الحوار المجتمعي ضمن أولويات القيادة العليا للدولة، ويُربط مباشرة بمؤسسات القرار الاقتصادي والتنفيذي، فإن ذلك يعكس قناعة راسخة بأن التنمية لا تُدار بمعزل عن المجتمع، وأن فاعلية السياسات العامة ترتبط بمدى قدرتها على استيعاب الرأي العام، والتفاعل مع الأسئلة والتحديات التي يطرحها الواقع. ومن هنا، يتحول ملتقى «معًا نتقدم» من منصة للنقاش فقط، إلى فضاء مؤسسي لتكامل الرؤية بين القيادة، والحكومة، والمجتمع.

ويعزز تنظيم الأمانة العامة لمجلس الوزراء لأعمال الملتقى هذا البُعد المؤسسي؛ إذ يضع الحوار في قلب منظومة العمل الحكومي، ويمنحه صفة الاستمرارية والمتابعة، بما يضمن ألا تبقى مخرجاته في إطار التوصيات العامة؛ بل تتحول إلى مدخلات يمكن البناء عليها في تطوير السياسات والبرامج التنفيذية. ومن ناحية ثانية فإن رعاية ورئاسة صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد، نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية لأعمال الملتقى، تضفي على النقاشات بعدًا استراتيجيًا، يربط بين الرؤى المجتمعية والمسارات الاقتصادية للدولة، ويؤكد أن ما يُطرح من أفكار وتحديات يُنظر إليه باعتباره جزءًا من معادلة القرار.

ولا يقف البُعد التحليلي لأهمية الملتقى عند مستوى الرعاية والإشراف؛ بل يمتد إلى طبيعة الحوار نفسه، بوصفه حوارًا منظمًا ومؤسسيًا وصريحًا، يتجاوز الطرح الإنشائي إلى مساءلة الخيارات التنموية، وتفكيك التحديات، واستشراف البدائل الممكنة.

في هذا الملتقى، تُفتح كل الملفات للنقاش العام ضمن إطارٍ من المسؤولية والاحترام المتبادل، بما يعكس نضج التجربة العُمانية في إدارة الاختلاف، وتحويله إلى مصدر إثراء.

ويبرز هنا الدور الجوهري للملتقى بوصفه مساحة لترجمة الرؤية إلى سياسات؛ فالنقاشات التي تدور حول الاستثمار، وتنمية المحافظات، والقطاعات الاقتصادية ذات الأولوية، لا تنفصل عن مستهدفات رؤية «عُمان 2040»؛ بل تُقرأ في ضوئها، وتُختبر عمليًا من خلال التفاعل مع المجتمع. وهذا التفاعل يوفّر لصانع القرار صورة أكثر دقة عن التحديات الواقعية التي تواجه التنفيذ، وعن الفجوات التي قد لا تظهر في التقارير الفنية وحدها، ويفتح في المقابل آفاقًا جديدة لتطوير السياسات وجعلها أكثر التصاقًا بالواقع. كما يُسهم الملتقى في إعادة صياغة مفهوم المشاركة المجتمعية، من خلال الانتقال بها من مستوى التعبير عن الرأي إلى مستوى المسؤولية المشتركة؛ فالحوار لا يقوم على المطالبة فقط، بل على فهم القيود، واستيعاب التعقيدات، ومناقشة الأولويات في إطار الإمكانات المتاحة. وهذا النمط من الحوار يعزز من وعي المجتمع بطبيعة المرحلة، ويُسهم في بناء علاقة أكثر توازنًا بين الطموحات المشروعة والقدرات التنفيذية للدولة.

وتتجلّى أهمية هذا المسار بشكل خاص في النقاشات المتعلقة بتنمية المحافظات؛ حيث يتيح الملتقى قراءة الفوارق التنموية قراءة أكثر عمقًا، ويكشف عن الفرص الكامنة في كل محافظة، بعيدًا عن النماذج التنموية الموحدة. فإشراك أبناء المحافظات في النقاش حول استثماراتها وأولوياتها يرسّخ مبدأ اللامركزية التنموية، ويعزّز من كفاءة التخطيط، ويجعل التنمية أكثر عدالة واستدامة.

وقد حضر الشباب بوصفهم عنصرًا محوريًا في معادلة الحوار، وباعتبارهم شركاء في صياغتها. فمداخلاتهم، ولا سيما في المسارات الاقتصادية وريادة الأعمال، تعكس تحوّلًا في الوعي، وانتقالًا من انتظار الفرص إلى البحث عنها وصناعتها. وهذه المشاركة تمنح السياسات بعدًا مستقبليًا، وتساعد على مواءمتها مع تطلعات جيلٍ سيقود المرحلة المقبلة.

وكشفت مداخلات الشباب عن إدراك متقدم لمتطلبات الاقتصاد الحديث، وعن استعداد حقيقي للانخراط في مجالات الإنتاج، والابتكار، والعمل الحُر، وهو ما يشكّل رصيدًا وطنيًا ينبغي البناء عليه. كما أن إتاحة هذه المساحة للحوار مع صانعي القرار تسهم في بناء الثقة، وتعزيز الشعور بالانتماء والمسؤولية، وتحويل التحديات إلى حوافز للعمل والإبداع.

ولا يكتمل الأثر التحليلي للملتقى دون التوقف عند الدور الذي تضطلع به وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، التي أسهمت في توسيع دائرة الحوار، ونقل النقاش من النخب والمؤسسات إلى المجتمع الأوسع. فالتغطية الإعلامية المهنية علاوة على دورها في نقل الحدث، فإنها تساهم ايضًا في إعادة إنتاجه اجتماعيًا، من خلال إثارة النقاش، وتبادل الآراء، وتعزيز الوعي بالقضايا المطروحة، وهو ما يضاعف من أثر الملتقى ويمنحه بعدًا وطنيًا ممتدًا.

إن ملتقى «معًا نتقدم» هو تجربة عُمانية متقدمة في إدارة الحوار العام، وتجسيد عملي لفلسفة الحكم القائمة على الشراكة، والشفافية، والعمل بروح الفريق الواحد... إنه مسار تراكمي يُسهم في تطوير السياسات العامة، وتحسين أدوات التنفيذ، وبناء توافق مجتمعي حول أولويات التنمية.

ومن خلال هذا المسار، يتحول الحوار من غاية في ذاته إلى وسيلة فاعلة لتحويل الرؤى إلى سياسات، والسياسات إلى منجزات، في إطار وطني يتقدّم بثقة نحو مستقبل أكثر توازنًا واستدامة، تقوده الإرادة السياسية، ويصنعه التفاهم المجتمعي، وتدعمه مؤسسات قادرة على الاستماع، والتعلّم، والتطوير المستمر.

الأكثر قراءة

z