د. عبدالله باحجاج
يتماهى نقل ملتقى الحوار الوطني السنوي "معًا نتقدم" إلى المحافظات بالتناوب بدءًا من العام 2027، مع توجهات الدولة الوطنية نحو الرهانات على اللامركزية، وقد تأملتُ في هذه الخطوة التي أَعلنَ عنها معالي الشيخ الفضل بن محمد الحارثي الأمين العام لمجلس الوزراء، وتصورتُها ذهنيًا بذلك التماهي، كخطوةٍ لتعزيز توجهات المسيرة المتجددة نحو اللامركزية؛ لأن صناعة المحتوى اللامركزي تُحتِّمه أيضًا التشارُكية بين السُلَط اللامركزية مع مجتمعاتها المحلية، كشرطٍ لتنمية مستدامة ومُجمَع عليها، ولدواعي استيعاب الديموغرافيات المحلية في التنمية والاقتصاد والتوظيف، واستغلال مقوماتها لإقامة اقتصاديات محلية مرتبطة تكامليًا بالاقتصاد الوطني.
كُل محافظة من محافظات بلادنا أصبح مناط بها صنع اقتصاد محلي، وطموحنا يتناغم مع هذه الرهانات الوطنية، ونؤمن ونثق بقدرة معظم محافظات البلاد على صنع اقتصادياتها وتنميتها الشاملة من منظور قيادة النمو الوطني. وهنا المعجزة الاقتصادية التي نترقب تحقيقها في عهدنا المتجدد، وستُعد "معجزةً" بكل المقاييس الزمنية والسياسية إذا ما نجحت الجهود في تحويل المحافظات إلى اقتصاديات محلية تعزز النمو الوطني والاستقرار الاجتماعي، وتنتج فرص عمل. وكل من يُحلِّل رؤية "عُمان 2040" من المنظور الاستشرافي الغائي، سيجد أنها تستوعب ذلك الطموح الوطني، وكل أهدافها الاستراتيجية تستنطقه بوضوح تامٍ.
بلدٌ كبلادنا، دولة مترامية الأطراف، وكل طرف فيها يتمتع بمقومات اقتصادية وبموقع جيوسياسي لا تتمتع به الكثير من الدول، فإن أيَّ رؤية فيها لا تنجح إلّا بتوزيع النمو وتوطين الفرص وإنتاج الوظائف، عبر تحويل المحافظات من وحدات للخدمات وتلقي المخصصات المالية، إلى مصادر للدخل واستيعاب تحديات وطموحات جماعاتها المحلية. وما تبنِّي نظام المحافظات في بلادنا منذ حقبة المغفور له مؤسس نهضتنا السلطان قابوس بن سعيد، وتعزيزه وتمكينه- أي نظام المحافظات- في حقبة مُجدِّد هذه النهضة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله- إلّا بمثابة وعي سياسي مستهدف في ذاته ولغايات وطنية كبرى.
وتطبيقات هذا النظام تتم عبر رؤى واضحة وقابلة للتنفيذ. ومن هنا، فإننا نعتبر الخطة الخمسية الحادية عشرة الراهنة نافذة التنفيذ الحقيقية، وقد مُكِّنَت بتغييرات مفاهيمية وهيكلية مؤخرًا، كاستحداث منصب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، وتولي صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد هذا المنصب، وكذلك تعيين معالي الدكتور خميس بن سيف الجابري وزيرًا للاقتصاد، وهو الذي كان رئيس وحدة متابعة وتنفيذ رؤية عُمان 2040، ومثل هذه التطورات الجديدة لها دلالات سياسية وتنفيذية واضحة تُفهم من سياقاتها وماهياتها في ظل قناعة راسخة، وهي أن بلادنا ليس أمامها من خيارٍ غير نجاح رؤيتها الاستراتيجية وخططها السنوية والخمسية. ولا مجال هنا للتأخير أو التسويف؛ مما يعني أن الفشل- لا قدر الله- لا مجال له؛ لأن ثمنه أكبر من أي تبرير؛ لذلك نرى أن التحدي لم يعد في الرؤية وانما في التنفيذ، وأن هذا التنفيذ ليس مركزيًا فحسب، وإنما كذلك اللامركزي، ويستويان من حيث الأهمية والنتائج.
ومنه نرى في نقل ملتقى "معًا نتقدم" إلى المحافظات ما يُعزِّز ما نذهب اليه؛ أي الرهان على التنمية التشاركية في ظل نظام اللامركزية، ومفهوم التنمية التشاركية هو أكبر من أسلوب إداري تنموي، ويمكننا أن نعتبره فلسفة حكم تتميز به النهضة المتجددة؛ حيث يُشرَك المواطنون والمجتمع المدني مباشرةً في صُنع القرار وتحديد الأولويات وتنفيذ المشاريع المحلية عبر الجماعات المحلية؛ مما سيعزز الثقة بين السُلَط المحلية في كل محافظة ومجتمعاتها المحلية، وستكون التنمية فيها بحجمها وماهياتها ومساراتها محط رضا مجتمعي، وهو ما تحتاجه الحقب الزمنية المقبلة في ظل تحدياتها الجيوسياسية واكراهاتها العالمية.
وقد اقترحنا في مقال سابق معنون "معًا نتقدم.. النسخة اللامركزية في ظفار"، بتاريخ 16 مارس 2025، (https://alroya.om/p/362321) أن يكون في كل محافظة ملتقى سنوي؛ كاعترافٍ بالخصوصيات المحلية واستيعابها ضمن تحويل المجتمعات المحلية من مُتلَقٍ للقرارات والخطط والسياسات، إلى المساهمة فيها، وتعيد النظر في مفاهيم وسرديات بدأت تظهر فوق السطح ومزعجة جدًا مثل "هم ونحن، ولماذا؟". ولا نزال مع هذا المقترح بحيث يكون من ضمن أقوى وأهم الفرص التي يعرض فيها النظام اللامركزي بكل وحداته بما فيها الممثلة للامركزية إنجازاتها السنوية وخططها المقبلة، وتستمع لحاضنتها الاجتماعية من ملاحظات ومقترحات.. ومن خلالها الاخذ بالمفيد منها.
وستظهر ملتقيات "معًا نتقدم" كفلسفةِ حكمٍ مُتفرِّدةٍ في كل خصائصها السياسية والاجتماعية ببلادنا، ومن خلاله سنحقق الكثير من النتائج وإدارة ما يُثار عبر منصة "إكس" ووسائل الاتصال الاجتماعية، بحيث يمكن استثمار الحراك التفاعلي في "إكس"، وضبط مساره بما يخدم النقاش المسؤول، ويحد من الاستقطاب، ويعزز الخطاب الإيجابي الداعم للاستقرار والتنمية. وعلى غرار تجربة البلاد مع نسخ "معًا نتقدم" التي تمنحنا الكثير من النتائج التي يمكن البناء عليها في ضوء اخر نسختها التي اختتمت مؤخرًا، وأبرزها: صناعة الحوار المسؤول المباشر، وهذا في حد ذاته نقله حضارية ستتأثر بها إيجابًا الحوارات السلبية في منصة "إكس"، وأثره المتوقع على ملتقيات المحافظات المقترحة؛ لأن الحوار المسؤول فيها سيضع حدًا أخلاقيًا للاختلاف، ويمنع الشخصنة والتهويل، ويحافظ على القضية دون تشويه الأطراف. ومع ترسيخه وديمومته ستعزز مثل هذه الحوارات ثقافة الاحترام المتبادل، ويساهم في بناء رأي عام ناضج، ويصبح أداة وقاية رقمية، وترسيخ الثقة بين المؤسسات والمجتمعات المحلية، وكل من يحلل ما يحدث في النسخ العديدة لـ"معًا نتقدم"، وخاصة الأخيرة سيلاحظ انعكاساتها الإيجابية في البيئات سريعة الانتشار كمنصة "إكس"، فكل الطروحات والأسئلة والتعقيبات اصبحت تعكس سلوكًا وطنيًا عامًا ومقبولًا من كل الأطراف، من اجل تعزيز الاستقرار والأمن والتنمية في البلاد.
وقد شاركتُ في معظم نسخ "معًا نتقدم" ما عدا الأخيرة لظروف خاصة، رغم تلقِّي دعوة المشاركة، ويمكنني أن أخرج بالنتائج الكبرى التالية:
- أن إبداء الملاحظات والنقد مسموع وبتجاوب علني؛ لأنها بهدف التصحيح والتطوير لا التشهير أو الإلغاء.
- تقدير المصلحة العامة والاستقرار على المكاسب الشخصية أو الشعبوية.
- الملتقى أصبح أداة للفهم والتقارب.
- كل مشارك مسؤول عن كلمته وأثرها، ومدرك أن الفضاء الرقمي امتداد للمجتمع لا عالمًا منفصلًا عنه.
وكفى بمثل هذه المكاسب دوافع في ذاتها تعزز من أهمية تبني مقترح عقد ملتقيات سنوية في كل محافظة لتعزيز الحوار المسؤول وتعميمه ونشره على منصة "إكس" ووسائل التواصل الاجتماعي، وهذا ما رصدناه من تفاعلات إيجابية على مداخلات المشاركين وردود كبار المسؤولين في الملتقى. وكلما كانت النخب العُمانية البارزة مشاركة فيها، انعكس ذلك على صناعة الحوار المسؤول وانتشاره وتعميمه.
وحقبة المحافظات المقبلة تحتاج لمثل هذه الحوارات؛ فهي مُطالَبة باستقطاب الاستثمارات وصناعة اقتصاديات محلية بشرطيْ العائد المالي وإنتاج فرص العمل؛ لذلك ينبغي الاستفادة من عقول وخبرات أبناء كل محافظة، ومهما أوضحنا النتائج المترتبة على مثل هذه المتلقيات- خاصة في صناعة الحوار المسؤول وانعكاساته على أكس ووسائل التواصل الاجتماعي- فلن نوفيها؛ لذلك نقترح دراسة نتائجها من الزوايا المشار إليها سابقًا باختصار.
