الإمبراطور الجديد

 

 

 

د. عبدالله باحجاج

مما يجدر الإشارة إليه بداية أنَّ تناولنا لمثل هذه القضايا الهامة بهدف وضع الوعي السياسي الخليجي "الاستباقي" لا "الوصفي" خلفيات التحولات الخارجية قبل أن تفرض نفسها كونيًا بقوة الإكراه، أو على الأقل فتح الآفاق السياسية لما يحدث خارج المنطقة، فكما يقال إن الدول التي تنتظر الأزمة تكون قد خسرت نصف المعركة، والتساؤل الذي ينبغي أن نطرحه الآن هو: كيف قرأت دول منطقتنا الخليجية الاستراتيجية الأمنية الأمريكية التي كشفها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الخامس من ديسمبر2025؟

وهذا التساؤل لا يفتح موضوع الاستراتيجية كخبر؛ فهو قد أصبح معلومًا بالضرورة، وإنما عن متلقيه في الخليج. وبذلك نتجاوز سؤال ما هي الاستراتيجية، إلى سؤالين ذوي عُمق كبيرين هما: كيف فُهمت الاستراتيجية الأمنية؟ وكيف تُترجم؟

ودواعي طرح القضية من منظور هذين السؤالين أن دول المنطقة ليست كتلة واحدة رغم مقوماتها المشتركة، ولكل دولة هواجسها المختلفة، ولكل دولة موقعها الاستراتيجي، ولكل واحد منها علاقتها المختلفة مع واشنطن، ونرى أنه آن الأوان وعاجلا أن تراجع دول المنطقة الخليجية كل سياساتها ومفاهيمها الأمنية بعد أحداث اليمن الأخيرة، في ضوء الاستراتيجية الأمنية الأمريكية الجديدة، ومن ثم تحدد أولوياتها الأمنية من المنظور الاقتصادي والاجتماعي، وتعيش في إطارها الجغرافي الوطني والإقليمي متماهية معه ومتحدة في أولوياته ومتكاملة مع مشاريعه التنموية الاقتصادية الاستراتيجية.

وكل من قرأ الاستراتيجية الأمنية الأمريكية الجديدة، وقرارات وتصريحات ترامب، والتوضيحات التي تخرج من وزارة الحرب الأمريكية "البنتاجون" وكبار المسؤولين الأمريكيين، وربطها بنشأة مجلس السلام وميثاقه، سيخرج بتأطير صادم، وهو أن الاستراتيجية الأمنية ومجلس السلام يحولان ترامب من رئيس أكبر دولة إلى إمبراطور عالمي يفرض على العالم أن يتماشى مع مصالحه ويقبل بقيادته، وسيبدأ أولا بنصف الكرة الغربي، ومن ثم بقية دول العالم حسب أولويات مصالحه، مما يعني أن العالم مقبل على تحديات كبرى غير مسبوقة، فأعضاء مجلس الأمن الخمسة الدائمين لم يعلنوا موافقتهم على الانضمام لمجلس السلام، ويخشون من أولوية ترامب نحو نصف الكرة الغربي الذي يمكن أن يشكل نجاح أو فشل أجندات ترامب الإقليمية والعالمية.

المثير هنا تصريحات للرئيس الروسي فلاديمير بوتين قال فيها إن موسكو لا تأبه بأي دولة في حلف الناتو غير واشنطن، وأنَّ هذه الأخيرة هي الوحيدة التي تضعها موسكو في حساباتها، فهل دخل المجتمع الدولي من البوابة الكبرى لشريعة الغاب التي تغيب فيه العدالة الدولية، ويسود منطق القوة، وتتجاهل المواثيق الدولية، وتغليب المصالح الضيقة للدول القوية على حساب الضعيفة. وأثناء عملية التفكير في هذا المقال ظهر لنا الرئيس ترامب وكأنه يقود العالم بمنطق فرعوني منسوخ من التاريخ، وقد تحدثت عنه الآية الكريمة "قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ" (غافر: 29)، وكل تصرفات وأفعال وتصريحات الرئيس ترامب منذ مجيئه مجددًا للرئاسة حتى الآن تتماهى مع المنطق الفرعوني.

الاستراتيجية الأمنية وراؤها ترامب، ويطلق عليها "استراتيجية ترامب الأمنية"، ومجلس السلام تأطيرًا وتطبيقًا وقيادةً لترامب، وقد فُصِّلَت لصناعته كإمبراطور عالمي منفردًا ومستفردًا، وهو يمارس هذا الدور من منطق "السيد والتابع"، يريد كل قادة ورؤساء العالم أن يتبعوه ولا يعصونه حتى لو خرج عن النظام الدولي، وقد طالب منذ أول يوم له في ولايته الثانية بدولة بنما وقناتها، فأذعنت لمطالبه، ومن بينها بيع موانئ القناة التي كانت تديرها شركات صينية لأخرى أمريكية، ويهدد بضم كندا، ويرى أنها ستكون في ضع أفضل إذا أصبحت الولاية الأمريكية رقم 51، ويعلن أنه سيجعل غزة المدمرة "ريفييرا الشرق الأوسط"، ومن ثم يكشف عن رغبته في جزيرة جرينلاند.

كما شنَّ ترامب هجومًا عسكريًا على فنزويلا، واعتقل رئيسها مع زوجته، وفرض رسومًا جمركية ابتزازية، يُهدد بها بعض الدول تخويفًا، ويُعلن عن نيته طرد مليون إنسان من أمريكا، ويسخر ويقول: "لست بحاجة إلى القانون الدولي، أخلاقي الشخصية وعقلي هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن يوقفني"، ويقول كذلك: "أما جرينلاند فهي أولوية أمن قومي، إذا لم نأخذها بالسياسة الناعمة، ستأخذ بالسياسة الخشنة".

تلكم كلها استدلالات على ولادة إمبراطور عالمي يقود إلى تأسيس نظام عالمي أحادي بقيادته، عبر تحويل قرار مجلس الأمن الدولي 2803 الصادر في نوفمبر 2025 من إدارة وإعادة إعمار قطاع غزة إلى مؤسسة عالمية لحل نزاعات عالمية أخرى، وضع ميثاقها بتفاصيل رؤيته الخاصة تهميشًا للأمم المتحدة والفاعلين الدوليين، وفرض رسمًا للعضوية الدائمة في المجلس بمبلغ مليار دولار. صحيحٌ أن هذه الخطوة لم تحظْ- وفق آخر متابعتنا- بأي موافقة من الأعضاء الدائمين في الأمم المتحدة، لكن هوامشهم محدودة، ما عدا موسكو التي يبدو أنَّ التحولات جاءت في صالحها، ولا نستبعد منطق التفاهم مع ترامب، وقد أعلنت موسكو خلال الساعات الماضية عن مفاوضات مع واشنطن بشأن الاتفاق على قضايا استراتيجية أخرى.

خرجنا من قراءة استراتيجية الإمبراطور الأمنية أنها صيغت من منظور اقتصادي كحاكم لكل تفاصيلها وغاياتها المتعددة، وفاءً لمشروعه الانتخابي "أمريكا أولًا"، لكنها تُعطي الأولوية لنصف العالم الغربي بصورة راديكالية، ويذهب هذا المصطلح الى الأمريكيتين الشمالية الجنوبية، وبالذات أمريكا اللاتينية التي تعدها واشنطن حديقتها الخلفية الاستراتيجية، وقد حددت استراتيجية الإمبراطور ترامب مدونات سلوك لكل مسؤول حكومي أمريكي يعمل في هذه الدول، من أبرزها: أن يكون مطلعًا بالكامل على الصورة الشاملة للنفوذ الخارجي فيها، وأن تتعاون الحكومة الأمريكية والقطاع الخاص الأمريكي تعاونًا أوثق، وأن تكون جميع السفارات الأمريكية في هذه الدول على دراية بالفرص التجارية الكبرى التي تعمل فيها، وخاصة العقود الحكومية الكبرى، وتُلزم كل مسؤول في الحكومة الأمريكية أن يتعامل مع هذه الدول كجزء من عمله هو مساعدة الشركات الأمريكية على المنافسة والنجاح، وستُخيِّر واشنطن دول المنطقة خاصة ودول العالم عمومًا بوضوح بين العيش إما في عالم تقوده واشنطن أو عالم موازٍ تتأثر فيه بقوى تقع على الجانب الآخر من العالم.

وتشدد في المقابل على أن تعمل الولايات المتحدة في تعاونها مع شركائها في المنطقة على تحقيق 3 ضرورات كبرى؛ هي:

الأولى: أن تقاوم الإجراءات التي تضر بالشركات الأمريكية، مثل الضرائب الانتقائية واللوائح غير العادلة والاستحواذ القسري على الأصول. والثانية أن تنص شروط اتفاقياتها على أن تكون العقود حصريًا للشركات الأمريكية. أما الثالثة فهي أن تبذل كل جهد ممكن لطرد الشركات الأجنبية التي تقوم ببناء البنية التحتية في المنطقة.

إذن منطقة "نصف الكرة الغربي"، مُقبلة على فترة في غاية الصعوبة، وستكون الاختبار لمستقبل الامبراطور ترامب، وقد تشهد حربًا اقتصادية وحتى عسكرية من أجل الاستحواذ عليها وعلى مقدراتها، وفنزويلا نموذج وإنذار صريح وصارخ للدول التي تُبدي ممانعة أو ترفض الاستجابة إلى أهواء الامبراطور ترامب.

فهل لو نجح الإمبراطور في نصف الكرة الغربي يمكن أن يطبقه في بقية المناطق، كالخليج العربي مثلًا؟

تساؤل مشروع من المنظور الاستباقي، لكن حتى الآن، فإن الاستراتيجية الأمنية الجديدة تعطي الأولوية للعلاقات التجارية والاستثمارية في علاقاتها مع دول المنطقة، ومع حرصها على حل نزاعات المنطقة، فإنها ليست مستعدة لتدخل عسكري إلّا في الحالات النادرة. ومؤدى هذا، إعطاء الأولوية للعمل السياسي والدبلوماسي ومصالحها الاقتصادية؛ لأنَّ الاستراتيجية تحدد بوضوح أولوية الاقتصاد الأمريكي على المصالح الخارجية، وتقليص الالتزامات العسكرية، واعتماد تحالفات تقاس بالمنافع الاقتصادية لا بالقيم السياسية، وربما تتمنى الكثير من الدول أن يغرق الإمبراطور الجديد في نصف الكرة الغربي، ولا يرفع رأسه منه.

الأكثر قراءة

z