نبيل الهادي
قبل أيام قليلة من انتخابات مجالس إدارات عدد من جمعيّات المجتمع المدني في سلطنة عُمان، تبرز مشاهد تستدعي التوقّف، لا من باب الإثارة؛ بل من باب المسؤوليّة المهنيّة والأخلاقيّة تجاه مؤسسات يُفترض أن تمثّل طموحات أعضائها وتنوّعهم. ومن بين هذه الجمعيات: الجمعية العُمانية للكُتّاب والأدباء، وجمعية الصّحفيين العُمانية؛ حيث تتكرّر الأسماء ذاتُها، ويغيب التنافس، ويطول البقاء في مواقع القرار.
ففي انتخابات سابقة، وتحديدًا قبل دورة 2024، بادر مجلس الإدارة في إحدى هذه الجمعيات إلى إقامة حفل تكريم شامل لأعضاء الجمعية العمومية جميعهم دون استثناء، في مشهد قُدِّم آنذاك بوصفه تعبيرًا عن الامتنان وتعزيزًا للعلاقة مع الأعضاء. واليوم، وفي دورة انتخابيّة تخلو من أي قوائم منافسة، يغيب هذا التكريم، ويغيب معه سؤال مشروع: هل كانت تلك المبادرات مرتبطة بروح التنافس أم بثقافة العمل المؤسّسي المُستدام؟
والأكثر إثارة للتساؤل، أنَّ بعض أعضاء مجالس الإدارات الحالية أكملوا ما يزيد على خمسة وعشرين عامًا في مواقعهم القياديّة، ومن الحضور المتواصل وهذا لا يمكن التعامل معه كرقم عابر، فهو يطرح تلقائيًّا أسئلة عن التداول، والتجديد، وحدود الاستمرار، بغضّ النظر عن حسن النوايا أو حجم الجهد المبذول.
إنّ الانتخابات التي تُجرى بلا منافسة لا يمكن اعتبارها مؤشر صحة تلقائيًّا، بل قد تكون- في بعض الحالات- علامة على خلل أعمق في البيئة الدّاخلية؛ حيث يتراجع الحافز على الترشّح، ويضعف الإيمان بجدوى التغيير؛ فالمؤسسات الحيّة تُقاس بقدرتها على إنتاج البدائل، لا بطول أعمار إداراتها.
والجمعية العمومية، التي يفترض أن تكون مصدر القوة والشرعية، لا ينبغي أن تُستدعى فقط يوم التصويت، ثم تُترك خارج دائرة التأثير الحقيقي. فالأعضاء المنتسبون لهذه الجمعيات لا يبحثون عن حضور رمزي أو صور تذكارية؛ بل عن شراكة فعلية، ومساحة آمنة للتعبير، وإحساس بأن أصواتهم لا تُقاس بمدى توافقها مع المجلس القائم.
والقول بغياب القوائم المنافِسة دليل على رضًا كاملٍ عن الأداء القائم يظل تفسيرًا واحدًا لا يكفي وحده؛ فالرضا الحقيقي عادة ما يُنتج مشاركة أوسع، وتفاعلًا أعلى، لا انسحابًا صامتًا أو حيادًا عامًّا. كما أن تجارب سابقة لبعض الأصوات التي حاولت خوض غمار المنافسة، وما رافقها من شعور لاحق بالتهميش، أسهمت في إيجاد حالة من العزوف يصعب إنكارها.
هذا الطرح لا يستهدف أشخاصًا بعينهم، ولا يُنكر ما تحقّق من جهود، لكنه يفتح نقاشًا ضروريًّا حول معنى القيادة في العمل المدني. هل القيادة بقاء طويل؟ أم قدرة على صناعة صف ثانٍ وثالث؟ وهل الاستقرار يعني الجمود، أم القدرة على تسليم الراية في الوقت المناسب؟
إنَّ طموحات الأعضاء المُنتسبين لهذه الجمعيات أكبر من انتخابات هادئة تُمرّر بلا أسئلة، هم يتطلعون إلى مؤسسات تعكس تنوّعهم، وتواكب تحوّلات المهنة، وتفتح المجال أمام الكفاءات الشابّة، دون أن يشعر أحدٌ بأن الاختلاف مغامرة غير مأمونة العواقب.
فالتغيير، حين يُؤجَّل طويلًا، لا يُلغى؛ بل يعود على هيئة سؤال أكبر، وصوتٍ أعلى، وقلقٍ أعمق.
والمجتمع المدني لا يُقاس بعدد سنوات البقاء في المواقع؛ بل بقدرته على التجدّد، والاستماع، وصناعة المستقبل.
