حين يتوقف النمو بهدوء

 

 

 

خالد بن حمد الرواحي

في كثيرٍ من المؤسسات، لا يتوقف الناس عن العمل… لكنهم يتوقفون عن النمو، يأتون إلى مكاتبهم في الوقت، يؤدّون مهامهم بإتقان، يلتزمون بالإجراءات، ويحافظون على الاستقرار. من الخارج، تبدو الصورة صحيةً ومطمئنة. لكن في الداخل، في ذلك المكان غير المرئي بين الطموح والواقع، يحدث شيء آخر: يخفت الشغف، ويتباطأ التطوّر، ويبدأ الموظف- دون أن يشتكي- في التعايش مع فكرة أن الغد سيكون نسخةً مطابقةً من اليوم.

وهنا لا تكون المشكلة في ضعف الكفاءة، ولا في غياب الرغبة، بقدر ما تكون في منظومةٍ لا تترك للنمو طريقًا واضحًا يسير فيه، ولا تمنحه أفقًا يُغري بالسير نحوه.

في بعض البيئات، يكون المسار الوظيفي جامدًا إلى حدّ يجعل الترقية حدثًا نادرًا لا يُبنى عليه تخطيط، ولا يُعوَّل عليه طموح. يبقى الموظف سنواتٍ طويلةً في الموقع ذاته، لا لأن أداءه ضعيف؛ بل لأن السلم قصير، أو لأن الحركة داخله بطيئة، أو لأن الفرص محدودة بطبيعتها. ومع الوقت، يتحوّل الانتظار من مرحلةٍ مؤقتةٍ إلى حالةٍ دائمة، ويتحوّل الطموح من مشروعٍ حيٍّ إلى فكرةٍ مؤجَّلة.

وفي حالاتٍ أخرى، لا يكون العائق في غياب الفرصة؛ بل في فجوة الاستعداد لها. فالمناصب الأعلى تتطلب مهاراتٍ مختلفة، وتجاربَ أوسع، ورؤيةً أعمق. لكن الموظف لا يُمنح الأدوات اللازمة لعبور هذه الفجوة، ولا يجد أمامه برامجَ تدريبيةً مستمرة، ولا مساراتِ تطويرٍ واضحة، فيُطلب منه أن يكون جاهزًا دون أن يُساعد على أن يصبح كذلك. وهكذا، تتحول الكفاءة من قيمةٍ تُبنى إلى شرطٍ يُفترض وجوده مسبقًا.

وقد يبدو الرضا الوظيفي في ظاهره قيمةً إيجابية، لكنه أحيانًا يتحول إلى نوعٍ من الراحة التي تُخدِّر الدافعية. فحين يشعر الإنسان أن وضعه الحالي «مقبول»، وأن التغيير يحمل مخاطر أكثر مما يحمل فرصًا، يفضِّل الاستقرار على المغامرة، ويختار الأمان على النمو، ليس لأنه لا يريد الأفضل، بل لأنه لا يرى طريقًا واضحًا إليه- ولا ضمانًا بأن الجهد سيقود إلى نتيجة.

ويزداد هذا الشعور حين تغيب الرؤية المهنية داخل المؤسسة. حين لا يعرف الموظف إلى أين يمكن أن يصل، ولا كيف يمكن أن ينتقل، ولا ما الذي يتطلبه ذلك، يشعر أن مستقبله الوظيفي خارج نطاق التخطيط، وأن مساره يُدار بالصدفة أكثر مما يُدار بالتصميم. في تلك اللحظة، لا يتوقف عن العمل، لكنه يتوقف عن الاستثمار في نفسه داخل المكان.

ثم تأتي القيود المالية، والأنظمة الصارمة، والهياكل التنظيمية الجامدة، لتُكمل الحلقة. فحين تكون الميزانيات محدودة، تصبح الترقيات صعبة، والتدريب ترفًا، والحوافز استثناءً. وحين يكون الهيكل ثابتًا لا يسمح بالحركة الأفقية أو بالتدوير الوظيفي، تُغلق الأبواب حتى أمام أولئك الذين يريدون أن يتعلموا، لا أن يصعدوا فقط.

والنتيجة ليست موظفًا غاضبًا، ولا مؤسسةً فاشلة، بل شيئًا أخطر وأهدأ: مؤسسة مستقرة بلا تطوّر، وموظفون ملتزمون بلا حيوية، وبيئة عمل تُجيد الحفاظ على ما هو قائم، أكثر مما تُجيد صناعة ما هو قادم.

النمو المهني ليس مسؤوليةً فرديةً فقط، كما أنه ليس ترفًا تنظيميًا. هو شرطٌ أساسي لبقاء المعنى داخل العمل، وبقاء الحيوية داخل المؤسسات. فحين يتوقف النمو، لا يختفي الأداء فورًا، لكنه يفقد روحه. وحين تفقد المؤسسات روحها، تظل قائمة في الشكل، لكنها تتآكل في الجوهر.

ربما آن الأوان أن نُعيد النظر في مفهوم النجاح المؤسسي: ألا يُقاس فقط بما تحققه المؤسسة اليوم، بل بما تتيحه للناس ليصبحوا أفضل غدًا؛ فالمؤسسات التي تصنع مسارات، لا وظائف فقط، هي التي تحافظ على الإنسان؛ وتحافظ معه على مستقبلها.

الأكثر قراءة

z