سلام ناصر الدين
يصدرُ قريبًا كتابٌ يروي فيه رجل الأعمال الإماراتي عبدالرحمن بوخاطر سيرته الذاتية، موثّقًا رحلته المهنية والإنسانية والرياضية، ومقدّمًا رؤيته للتعليم والتربية بوصفهما ركيزتين في بناء الإنسان والعمل، فيما تقرأ ابنته الكبرى، الدكتورة صفا عبدالرحمن بوخاطر، قيادية في الطفولة المبكّرة، هذه السيرة من زاوية إنسانية، لتقدّم شهادة عن الأب الذي اختار التوجيه العملي نهجًا، وبنى أثره بوعي وحكمة.
تظهر سيرة عبدالرحمن بوخاطر كنموذج متكامل للنجاح؛ رجل عصامي أسّس شركات محلية وعالمية، وأسهم في ترسيخ حضور دولة الإمارات اقتصاديًا واستثماريًا ورياضيًا. كان يؤمن بالإنجاز، ويحرص على أن يُعرف به، لا بدافع التعظيم الذاتي، بل إيمانًا بأن النجاح الحقيقي يستحق أن يُرى، وأن يُقدَّم كنموذج يُحتذى، لا كواجهة براقة خاوية من المعنى.
وفي مقابل حضوره المهني الواضح، تكشف شهادة ابنته أن ما بُني داخل الأسرة كان على القدر ذاته من الوعي: منظومة قيم لم تُلقَّن بالكلام، بل نُقلت بالممارسة، والقدوة، وتحميل المسؤولية.
تربية بلا شعارات
تقودنا د. صفا في شهادة تمهّد للكتاب إلى علاقة لا تُقاس بطول الوقت، بل بكثافة المعنى. تقول: "لم نعش مع الوالد فترات طويلة تتيح لنا ذكريات يومية عادية، لكنه كان حاضرًا حضورًا نوعيًا. كل لقاء معه كان درسًا عمليًا في الاحترام، الانضباط، والرؤية".
تستعيد مشاهد من طفولتها في بدايات السبعينيات، حين كان والدها يوازن بدقة بين التزاماته المهنية ورعايته اليومية لوالديه، في ممارسة ثابتة للبرّ، والالتزام، واحترام الأولويات. لم تكن هذه الممارسات دروسًا نظرية، بل سلوكًا يوميًا يُرى ويُحتذى.
الثقة بوصفها أداة بناء
لم تكن التربية في بيت عبدالرحمن بوخاطر قائمة على الوعظ أو التعليمات المتكررة، بل على الثقة وتحميل الأبناء المسؤولية. تقول ابنته: "كان يعاملني كشخص يُعوَّل عليه، ويضعني في واجهة القرار، لا ليختبرني، بل ليبنيني".
هذا النهج امتدّ إلى العائلة كلها، حيث تعلّم الأبناء من المواقف الحياتية، ومن النقاشات التي كانت تُدار أمامهم، كيف تُدار المسؤولية، وكيف تُقرأ الظروف، وكيف يُتخذ القرار دون تردد أو تهويل.
التطبيق قبل الكلام
كان عبدالرحمن بوخاطر يؤمن أن الحلول لا تُخلق من الفراغ، بل تُستخرج من الواقع لمن يعرف كيف ينظر. وكان يرسّخ في نفوس أبنائه قناعة واضحة: "التطبيق يمنحكم زمام المبادرة".
وتروي د. صفا موقفًا مفصليًا عام 1984، حين وُضعت، وهي في التاسعة عشرة، أمام مسؤولية إدارة رحلة عائلية معقّدة داخل الولايات المتحدة. تجربة ثقيلة في بدايتها، لكنها شكّلت درسًا عمليًا في القيادة وتحمل المسؤولية، حين تُمنح الثقة كاملة، ويُترك المجال للتعلّم من التجربة نفسها.
تربية تصنع الوعي لا التردد
تستحضر د. صفا والدها مرجعًا داخليًا تشكّل عبر السنين، وحضر في قراراتها بوصفه بوصلة لا توجيهًا مباشرًا. تقول: "أحيانًا أتوقف قبل قرار ما وأسأل: ماذا كان سيفعل والدي؟ ليس بدافع التردد أو الخوف، بل لأن طريقته أصبحت جزءًا من بنيتي في التفكير واتخاذ القرار".
وتؤكد أن أكثر ما ترك أثره في حياتها قيمتان أساسيتان: الإيجابية، والإصرار.
"لم يكن في قاموسه يأس. كان يؤمن بأن الغد فرصة جديدة، وأن الحزن لا يعني التوقف، بل الفهم ثم الاستمرار".
شهادة تمهّد لكتاب
ليست هذه الشهادة محاولة لاختزال سيرة رجل، بل نافذة على فلسفة حياة، سيتّسع أفقها في كتاب قادم يوثّق فيه عبدالرحمن بوخاطر رحلته، ليس فقط كرجل أعمال ورياضي من الدرجة الأولى؛ بل كأبٍ آمَنَ بأن التربية الواعية، وحبّ التعلّم، والثقة، والعمل التطبيقي، هي ما يصنع أثرًا مستدامًا يتجاوز الزمن.
