مدرين المكتومية
عندما نسمع كلمة اقتصاد يتبادر إلى أذهاننا من الوهلة الأولى أرقام جامدة وموازنات ضخمة ونسب ومُؤشرات نمو وتراجع وانخفاضات مالية، وإننا أمام كلمة ينطقها فقط خبراء المال ومحللو الأسواق المالية، لكن بمجرد التعمق في هذه الكلمة سنعرف جيداً أن هناك ارتباطاً وثيقاً بينها وبين مشاعر الناس اليومية وأيضاً لها ارتبط تام بتغيرات الفرد وتقلبات مزاجه، فالاقتصاد هو أكثر العوامل المؤثرة على العاطفة الإنسانية وهي من تحدد أيضا المزاج العام للمجتمعات، بل إنها تعمل عملا رئيسيا في استقرار الأسر وتماسكها واستمرارها.
فعندما يكون الاقتصاد مزدهراً ينعكس أثره بصورة سريعة على البشر وعلى أنفسهم، فتجد أنَّ فرص العمل تتسع والدخل الفردي يرتفع ويتحسَّن، وكل ما يحيط به من تحديات تبدء بالانخفاض، عندها يشعر الفرد بالأمان اتجاه مستقبله، فالإنسان بمجرد شعوره بالأمان يمكنه أن يكون أكثر سعادة ووعياً وحباً وتمسكاً بكل شيء بين يديه، وبمجرد شعوره بعدم الاستقرار فكل شيء يمكن أن يضيع من بين يديه بسبب الإحباط، فالأمان يولد الفرح، ويخفف القلق ويمنح الإنسان مساحة للتفكير الإيجابي والتخطيط للحياة بصورة صحيحة ومناسبة.
ففي فترات الرخاء يمكننا أن نرى أن هناك ارتفاعاً في معدلات الزواج وانخفاضاً في معدلات الطلاق، بالإضافة إلى أن العلاقات الاجتماعية تتسم بالانتعاش، وهناك إقبال متزايد على بناء الأسر وإنجاب الأطفال، لأن الاستقرار الاقتصادي يمنح شعوراً مختلفاً ويغريه بالاستقرار العاطفي والبحث عن فرص أينما وجدت.
وتلك الفترة من الرخاء وإن كانت مؤقتة أو غير دائمة إلا أنها تصحب معها أيضاً شعوراً بالفرفشة المجتمعية، التي تُسهم في استعادة الإنسان لثقته بنفسه ومن حوله وتزدهر المناسبات الاجتماعية وتزاد الرغبة في التواصل مع الآخر وأيضاً يُسهم ذلك في إنعاش حركة الأسواق، فالاقتصاد لا يحرك المال فقط بل يسهم في رفع الأمل لدى النَّاس بأن القادم أجمل.
وبمجرد ما يصبح العكس ويبدأ الاقتصاد في الانكماش والانخفاض فإن ذلك ينعكس سلبياً على الأفراد فتتغير المشاعر العامة بشكل واضح وصريح، ويصبح القلق والتوترعنوان المرحلة، والخوف من الغد يتسلل إلى البيوت ولنفوس البشر التي بدورها تحطم الآمال وتتراجع معها الأحلام، وتتأجل الخطط ويشعر الإنسان بثقل الضغوط المعيشية وكل شيء يرتبط بالمال والأرقام يصبح معه مزعجًا، فالانكماش الاقتصادي لا ينعكس فقط على القدرة الشرائية بل يترك أثراً نفسياً قد يصل إلى التوتر والاكتئاب والإحباط الحاد الذي يؤثر على العلاقات الأسرية والاجتماعية بشكل عام، فما كان يسعى الفرد للقيام به بكل رغبة وحماس يتأجل بسبب الإحباط.
وإذا ما ضربنا مثالاً بسيطاً حول تأثيرات الاقتصاد على حياة الإنسان، فيمكننا أن نذكر هنا "المسرحين عن عمل" ففقدان الوظيفة لا يعني فقط خسارة الدخل الشهري فقط وإنما يعني خسارة الشعور بالقيمة والأمان، فهناك الكثير من الأسر ممن يهتز استقرارها بسبب التسريح المفاجئ، وتزاد فيها الخلافات ويتراجع بين أفرادها الإحساس بالطمأنينة والأمان، عندها يتبع ذلك الكثير والكثير من الخسارات التي لا يُمكن استعادتها. هذا ما يقودنا إليه أن الاقتصاد ليس فقط شأن مالي وحسب وإنما هو قضية إنسانية تمس عاطفة البشر قبل جيوبهم، فكل قرار اقتصادي يحمل في داخله آثاراً نفسية واجتماعية مختلفة.
