أكد دور البنية الأساسية الرقمية في تحقيق المُستهدفات

ديادكوف: سلطنة عُمان تتمتع بمتانة هيكلية تُعزز توجهات التنويع الاقتصادي

 

الرؤية- خاص

أكد ماتفي ديادكوف، المستثمر في مجال التكنولوجيا وعضو في مجلس "فوربس" للأعمال، أن مسار التنمية في سلطنة عُمان يتمتع بمتانة هيكلية واضحة، مشيرًا إلى قدرة البلاد على مواءمة توسّع البنية الأساسية مع الإصلاح المؤسسي ونمو السوق كعامل رئيسي يفسر سلاسة تقدمها في جهود التنويع الاقتصادي.

وديادكوف متخصص في بناء أنظمة رقمية أساسية في قطاعات متنوعة مثل الخدمات اللوجستية والتجارة الإلكترونية والعقارات.

وقال ديادكوف- في تصريحات خاصة لـ"الرؤية"- إنه منذ عام 2024، رسخت سلطنة عُمان نجاح أجندة التنويع الاقتصادي؛ حيث باتت الأنشطة غير النفطية تسهم بأكثر من 70% من الناتج المحلي الإجمالي، مع تزايد مُطرد في مشاركة القطاع الخاص ضمن إطار رؤية "عُمان 2040". غير أنه ذكر أن السؤال الأكثر أهمية في المرحلة المقبلة هو سؤال هيكلي: هل يمكن لهذا النمو أن يتوسع دون خلق احتكاكات جديدة مع ازدياد تعقيد الاقتصاد؟

وأوضح أن هذا السؤال يكتسب أهميته في الوقت الراهن؛ لأن المرحلة الأسهل من التنويع- وهي التوسع القطاعي المدعوم بالإنفاق الرأسمالي- قد اكتملت إلى حد كبير، أما المرحلة التالية فتعتمد على الإنتاجية، والتنسيق، وكفاءة الأنظمة، وهذا التحول يضع البنية الأساسية الرقمية في قلب النتائج الاقتصادية للأعوام المقبلة.

تصريحات ديادكوف، الذي يتمتع بخبرة في تطوير البنية الأساسية الرقمية والمنصات في مراحلها المبكرة- تعكس انخراطه في عُمان ومشاركته الفاعلة وطويلة الأمد في بناء منظومات رقمية أساسية عبر قطاعات مثل الخدمات اللوجستية والتجارة الإلكترونية والعقارات؛ بما يتماشى مع أهداف رؤية "عُمان 2040".

البنية الأساسية قبل النتائج

وبحسب ديادكوف فإن غالبًا ما يتبع التنويع الاقتصادي تسلسلًا واضحًا؛ فالبنية الأساسية المادية تُمكِّن الحركة، والبنية الأساسية الرقمية تُمكِّن التنسيق، وعندها فقط يُمكن للمنصات والخدمات أن تتوسع بكفاءة. وعندما تُختصر هذه المراحل، قد يبدو النمو سريعًا لكنه يفتقر إلى الاستدامة. أما حين يُحترم هذا التسلسل، فيتراكم النمو بشكل تدريجي وبقيود هيكلية أقل.

ويؤكد أن المسار الحالي لعُمان يسير إلى حد كبير وفق هذا المنطق؛ فقد وصلت معدلات انتشار الإنترنت وخدمات النطاق العريض المتنقل إلى مستويات مرتفعة جدًا، مدعومةً بتغطيةٍ شبكيةٍ وطنيةٍ واستثماراتٍ مستمرةٍ من مُشغِّلي الاتصالات. كما يجري نشر خدمات الجيل الخامس التجارية على مستوى البلاد، ما يعزز بنية الاتصال الرقمي. ويواصل الوصول إلى الإنترنت الثابت التوسع عبر نشر شبكات الألياف البصرية على مستوى السلطنة؛ حيث تغطي هذه الشبكات الآن أكثر من 926 ألف وحدة، مع نمو سنوي مستمر منذ عام 2021.

ولا تكمن أهمية هذه المؤشرات في كونها إنجازات منفصلة، بل في كونها إشارات على القدرة الاستيعابية. فالاتصال الرقمي يقلل تكاليف التنسيق عبر القطاعات التي تحددها رؤية 2040 كقطاعات استراتيجية، مثل الخدمات اللوجستية والطاقة والصناعة والخدمات. كما يتيح للبيانات والمدفوعات والعمليات الإدارية أن تتوسع بشكل مستقل عن القيود المادية.

ويشير ديادكوف إلى أن «البنية الأساسية الرقمية لا تُنتج التنويع الاقتصادي بذاتها، لكنها تحدد إلى أي مدى يمكن للتنويع أن يتوسع قبل أن تُبطئه الاحتكاكات».

ومن هذا المنظور، لا تُعد دورات الاستثمار الطويلة في البنية الأساسية تأخيرًا، بل عاملًا حاسمًا في تحديد ما إذا كان التعقيد سيظل قابلًا للإدارة مع استمرار النمو.

من البنية الأساسية إلى الإنتاجية

ويوضح ديادكوف أن رؤية "عُمان 2040" تولي أهمية كبيرة للإنتاجية بدلًا من مجرد توسيع حجم الإنتاج. ويفسر هذا التمييز سبب اكتساب البنية الأساسية الرقمية لأهميتها الاقتصادية فقط عندما ترتبط بالأداء التشغيلي.

وفي قطاع الخدمات اللوجستية، الذي تسعى عُمان إلى زيادة مساهمته بشكل كبير بحلول عام 2040، أسهمت منصات التجارة الرقمية وأنظمة مجتمع الموانئ في تقليص أوقات التخليص وتحسين استخدام الأصول. ورغم أن هذه التغييرات لا تنعكس مباشرة في أرقام الناتج المحلي الإجمالي الرئيسية، فإنها تحسّن الإنتاجية لكل وحدة من رأس المال، وهو ما يتراكم أثره بمرور الوقت. وقد شهدت أحجام الشحن والتوظيف في القطاع نموًا منذ عام 2022 دون زيادات متناسبة في تكاليف التشغيل.

ويظهر نمط مشابه في قطاع الطاقة؛ إذ تعمل الشبكات الذكية وإدارة الأصول المعتمدة على البيانات على تحسين الكفاءة مع دعم دمج مصادر الطاقة المتجددة. وبينما تجذب توسعات القدرة الإنتاجية الاهتمام، تأتي مكاسب الإنتاجية من تقليل فاقدات النقل، والصيانة التنبؤية، وتحسين التنبؤ بالطلب.

أما في الخدمات المالية والعمليات الحكومية، فتسهم الهوية الرقمية وبنية المدفوعات ومنصات الخدمات المتكاملة في خفض تكاليف المعاملات على الشركات. ويظهر الأثر بشكل غير مباشر من خلال تسريع دورات الترخيص، وزيادة معدلات تأسيس الأعمال، وتحسين كفاءة الامتثال، بدلًا من نسبته مباشرة إلى الإيرادات.

ويشرح ديادكوف ذلك بقوله: «تصبح البنية الأساسية ذات معنى اقتصادي عندما تحسّن اقتصاديات الوحدة. وعندها يمكن للإنتاج القطاعي أن ينمو دون زيادة خطية في التكاليف».

لماذا تقلل الدورات الطويلة من المخاطر

تواجه العديد من الاقتصادات صعوبات عندما تتجاوز روايات الابتكار السريعة وتيرة تطور البنية الأساسية البطيئة. ففي هذه الحالات، تتوسع الخدمات قبل أن تتمكن المؤسسات والأنظمة من دعمها، ما يؤدي إلى تقلبات بدلًا من المرونة.

ويُقلِّل نهج عُمان من هذه المخاطر. فقد ظل تكوين رأس المال الثابت الإجمالي مستقرًا على مدى عدة سنوات، وزادت حصة القطاع الخاص من إجمالي الاستثمار، واستمر نمو الاستثمار الأجنبي المباشر في ظل بيئة تنظيمية واضحة وقابلة للتنبؤ. وغالبًا ما تجذب هذه المؤشرات رؤوس أموال طويلة الأجل بدلًا من التدفقات المضاربية.

ومن منظور تحليلي، تكمن ميزة عُمان في التوافق. إذ يتطور كل من بناء البنية الأساسية والإصلاح المؤسسي وتوسع السوق بشكل متوازٍ، لا بمعزل عن بعضه البعض.

ويضيف ديادكوف قائلًا: «لا أنظر إلى عُمان كمكان لتكرار نماذج خارجية، بل أركز على كيفية تشكيل الأولويات المحلية لطبيعة البنية الأساسية المطلوبة».

ويتقاطع هذا الطرح بشكل وثيق مع تصميم رؤية "عُمان 2040"، التي لا تسعى إلى السرعة أو الظهور الإعلامي، بل تعطي الأولوية لتماسك الأنظمة والمرونة طويلة الأجل.

توسيع نطاق رؤية 2040 عبر الأسس الرقمية

وبحلول عام 2040، تهدف سلطنة عُمان إلى تعميق مشاركة القطاع الخاص، ورفع الإنتاجية، وتعزيز موقعها في قطاعات الخدمات اللوجستية والطاقة والخدمات. وتعتمد هذه النتائج بدرجة أقل على المبادرات الفردية، وبدرجة أكبر على الأسس الرقمية المشتركة.

وتُتيح البنية الأساسية الرقمية تراكم التحسينات التدريجية. فكل منصة إضافية، وكل مجموعة بيانات، وكل نظام متكامل يقلل الاحتكاك أمام طبقة النمو التالية. ومع مرور الوقت، تتراكم هذه الآثار، ليصبح التنويع الاقتصادي نتيجة هيكلية لا مجرد هدف سياسي.

وبهذا المعنى، لا تقف البنية الأساسية الرقمية إلى جانب رؤية "عُمان 2040"؛ بل تحدد الشروط التي يمكن ضمنها لهذه الاستراتيجية أن تتوسع وتنجح.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z