مدرين المكتومية
في الذكرى الوطنية الغَاليةِ، الحَادي عَشرَ من يَناير، لا نستحضرُ التَّاريخَ فحسب؛ بل نستحضرُ معنى ومفهوم القيادة التي تُفكِّر بعُمقٍ وتعمل بهدوءٍ ودون ضجيج، وتؤمن بأنَّ البناء الحقيقي لا يحتاج إلى صوت وشعارات بقدر حاجته لصدق النية وإصرار على تجديد المسار والمضي فيه بكل عزمٍ وثباتٍ، فلا يُبنى الوطن بالأمنيات وحدها، ولا تُصنع التحولات الكبرى بالكاميرات والصور والمقاطع، ففي كثيرٍ من الأحيان يُكتب التاريخ وتُسجَّل النجاحات والانتصارات والوصول بالتريث والأداء الراسخِ، ويُنسج المستقبل بخيوط الصبر والإتقان، كما تُحاك الملابسُ الفاخرةُ على مهلٍ وبأيدٍ مُحترفة.
قد لا يشعر المواطن بما يُبذل من جهود صادقة هادئة تتواصل بلا ضجيج وإنما في هدوء وصمت، ولا يمكن له أن يلمس تفاصيل ذلك العمل الذي يُنجزه المخلصون ليل نهار في كواليس صناعة القرار لأجل حياة يتمناها، لكنَّه حتمًا سيُدرك ذلك يومًا ما؛ فالأيامُ كفيلةٌ بأن تكشف أن ما لا يُرى اليوم سنتعرف عليه غدًا حين نقف أمام صورة وطن وقد بلغ المكانة التي يستحقها بين الأمم.
عُمان التي نعيشها ليست مجرد حدود جغرافية ومكانية وحسب، إنما هي امتداد لتلك البيوت الصغيرة التي يسكنها الأمل، والطرقات التي تنبض بالحياة والعمل، فكما يبني رب الأسرة عائلته بالاحتواء والصبر والمسؤولية، يُبنى الوطن بذات النهج، إنه بناءٌ فوق بناءٍ، وحجرٌ على حجرٍ.. مستشفى هنا وآخر هناك، ومدارس في كل منطقة وولاية وقرية، واتفاقيات استثمارية وعلاقات تجارية وغيرها الكثير والكثير من الأحلام التي تنمو وتتحول إلى واقع وحقيقة نراها اليوم بأعيننا ونلمسها بوعينا؛ فالقيادة التي ترى في الإنسان أساس وجوهر التنمية، بالتأكيد لن تبحث عن إنجاز سريع، بقدر ما تبحث عن أثر عميق دائم ومُستمر.
إنَّ حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظم- حفظه الله ورعاه- يقود هذا العهد المُتجدد بعقلٍ يرى أبعد من اللحظة التي نراها نحن الآن، وبقلبٍ يُدرك أن الأوطان لا تُدار بعصا سحرية؛ بل تصان بالهدوء المدروس والصبر الاستراتيجي، وتقوم وتنهض بالإصلاح المُتدرِّج لا المُتعجِّل، وتقوى بالعمل دائم الأثر.
قد لا يَشعرُ المواطن اليوم بتفاصيل الجهد الذي يبذل من أجله ليلًا ونهارًا ومن أجل أبناء الجيل القادم ليكون لهم مستقبل أكثر هناءً وازدهارًا، والتاريخ كما نعلم يُذكِّرُنا دائمًا أن القادة الحقيقيين لا يعملون من أجل التصفيق ولا لانتزاع اللحظة! وإنما يخلصون في العمل لكي تظل صورة الوطن مزهرة ومشرقة على مرِّ السنين. وحتمًا سيأتي يومٌ- وقريبًا جدًا- يُدرك فيه الجميع أن ما نعيشه اليوم هو إحدى مراحل البناء، وأنَّ عُمان التي ستقف في مصاف الدول المتقدمة لم تُصنع بمحض الصدفة؛ بل تجني ثمار الصبر الجميل والجهد الكبير، لأنها انطلقت في مسارها- الذي لا رجعة فيه- من إيمانٍ عميقٍ بعملٍ لا يعرف التوقُّف.
والقيادة ليست مجرد فكرة نظرية، لكنها انعكاس لرحلة تشاركية في البناء الجماعي، والجميع شريكٌ فيها؛ الطالب في مدرسته، والطبيب في مشفاه، والشرطي في مواقع الخدمة، وغيرهم الكثير، بالتوازي مع الجهود المؤسسية من وزارات وهيئات ومسؤولين ومحافظين، وهو ما يُؤكد أنَّ المواطن لم يعد أبدًا مُتفرِّجًا، وإنما شريك في مسارات التنمية ودروبها، كلٌ حسب مسؤولياته والواجب المنوط به؛ فالكاتب بقلمه، والإعلامي برسالته، والمعلم بقيادته، والطبيب بإنسانيته، والمهندس بقدراته، والأكاديمي بفكره، والعامل بجهده... الجميع اليوم مدعو ليستشعر قيمة الوطن الذي يعيش فيه على هذه الأرض الطيبة، ليكون شريكًا في طريق بناء هذا الوطن الغالي.
فأي طريق ليس سهلًا أبدًا، طريق الفرد نفسه لم يكن بسيطًا، فإذا ما ضربت مثالًا علينا كأفراد، منذ أن كنَّا طلبة على مقاعد الدارسة ونحن نحلم بالمُستقبل وندرس لكي نصل لما نحن عليه.. لم يكن الطريق سهلًا ولا الدرب مفروشًا بالورود؛ بل كان هناك الكثير من التحديات والعقبات التي عشناها كأفراد، فكيف إذا كان الحديث عن وطنٍ كاملٍ وعن قائدٍ يحمل مسؤولية شعب بأسره في عالم يموج بالتحديات والتقلبات وفي أوضاع جيوسياسية صعبة ومُعقدة لأبعد مدى، ومع ذلك فإنَّ الإيمان بالمسار هو أول مفاتيح النجاح، والنظر إلى كل ما يحدث باعتباره خطوة على طريق الازدهار.
اليوم.. أكثر من أي وقتٍ مضى نحن بحاجة إلى أن نكون جزءًا من هذه السردية الوطنية، لا مُجرد رواةٍ لها، وأن نُدرك أن ما يُبنى بصمتٍ اليوم سنفتخرُ به أمام الجميع غدًا، وسنقولها بكل ثقة وتأكيد: "هذه عُمان التي أردناها.. وهذا هو الوطن الذي صنعناه جميعًا، بكل إخلاصٍ".
