فاطمة الحارثية
الأيديولوجيات السياسية تؤثر على مجرى القرارات والأنظمة الاقتصادية، وبما أنه لم يعد بالإمكان تسمية الحالة السياسية العالمية الحالية بالحرب الباردة، فربما قريبًا سيتم تحديث مفهوم الأمان "السياقتصادي" ليُعزّز الحماية الاقتصادية والاستقرار المجتمعي؛ ومن هنا نجد أن التحولات السياسية المتسارعة وتوسّع رقعة الصراعات المسلحة أصبحت تُعيد تشكيل قرارات الشركات وبوصلة القوى الاقتصادية وأسواقها وقدرتها على الاستمرار، والتضارب في المنتجات الاستهلاكية.
وتصاعد العنف السياسي في المنطقة والعالم يفرض على الشركات قراءة جديدة للواقع، تتجاوز منطق الأزمات المؤقتة إلى فهم أعمق لتحولات طويلة الأمد ستؤثر على الأداء والمبيعات ونوع البضائع والجودة خلال السنوات القليلة القادمة، في وقت يتقاطع فيه المشهد مع ثورة متسارعة في الذكاء الاصطناعي ونضج الكفاءات البشرية.
ومنذ بضع عقود كانت الشركات تنظر إلى الاضطرابات السياسية باعتبارها مخاطر ظرفية يمكن احتواؤها عبر خطط طوارئ محددة، إلا أن الواقع الحالي مختلف؛ فنحن أمام حروب بشرية مسلحة، وحروب اجتماعية إعلامية، وحروب فكرية تقنية، تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد بالتكنولوجيا بمصير البشرية. وهذا يجعل الاستقرار رهانًا لحظيًا، ويجعل القدرة على التكيف ـ لا الحجم والانتشار ـ هي العامل الحاسم في استدامة الشركات، أي يُعيد تشكيل مفهوم استدامة عمليات الشركات والخارطة الإعلامية.
وكما يُقال: السوق لعبة الشاطر. ففي القطاعات المرتبطة بالطاقة والمعادن والمنتجات الأساسية يستمر الطلب، بل وقد يرتفع، مدفوعًا بالحاجة إلى تأمين الإمدادات وتقليل الاعتماد على أوضاع ومصادر غير مستقرة. في المقابل، يصبح المستهلك أكثر تقلبًا وأقل قابلية للتنبؤ، وتتغير معه سلوكيات العملاء، فتزداد أهمية العقود المرنة والاحتراز وبناء علاقات طويلة الأمد قائمة على الثقة المشتركة. هنا يصبح الأداء التجاري مرتبطًا بقدرة التجار والمختصين على قراءة المشهد الجيوسياسي، وليس الاعتماد فقط على قدرتهم الإنتاجية.
وكما هو الحال، الأوضاع دائمًا بين المنتفع والمتضرر؛ فالحروب ترفع كلفة الشحن والتأمين، وتُعقّد سلاسل الإمداد، وتزيد من أهمية حوكمة الامتثال من أجل الحد من المخاوف والتقليل من تأثيرات مستوى التكاليف. كما أن تقلب أسعار المواد الخام والعملات يضغط على هوامش الربح حتى في ظل ثبات الإيرادات. خلال الفترة القادمة ستواجه الشركات معادلة صعبة: كيف تحافظ على قدرتها التنافسية دون تحميل السوق زيادة في أسعارها قد لا يتحملها؟
لا يمكن تجنّب البعد الإنساني في هذا المشهد؛ فاستمرار الأخبار العنيفة، وعدم وضوح المستقبل، وزعزعة السلام والأمان، ينعكس على الصحة النفسية للمجتمع والموظفين وقدرتهم على التركيز واتخاذ القرار. الشركات التي تتجاهل هذا الجانب قد تجد نفسها أمام تراجع غير مرئي في الإنتاجية والالتزام، بينما تلك التي تستثمر في دعم موظفيها وبناء ثقافة رعاية وطمأنينة ستكون أكثر قدرة على الصمود. لنضع في الاعتبار أن السياسة العنيفة عامل مؤثر على هيمنة أو ضمور السوق السوداء والمضاربات المستترة غير المشروعة. فعلى المؤسسات وعي أن فرص النمو لن تكون سهلة كما في السابق، وأن المبيعات في السنوات القادمة لن تُقاس فقط بالأرقام، بل بقدرة الشركة على الاستمرار والوفاء بالتزاماتها ووضع ركائز الثقة في عالم مضطرب، لتصبح المرونة والحوكمة الرشيدة والرؤية بعيدة المدى والتوطين البشري والمؤسسي هي رأس المال الحقيقي الذي يحدد من يتراجع ويصمد ويحوّل الضعف إلى نقاط انطلاق جديدة.
الحلول السريعة دون بناء داخلي لم تعد خيارًا، ولا بد من التأهّب لتعزيز وتمكين أنظمة ودورة الأزمات: من مرحلة الصدمة وإعادة التقييم، ثم إعادة الضبط والتعلّم، ثم فرز حقيقي، إلى مرحلة الفرز المباشرة ثم التطبيق. ولنتفق أن المؤسسات التي نجحت في توطين كوادرها وخدماتها ومورديها أكثر قدرة على مجابهة الخيانة العمالية والاستغلال والفساد الاقتصادي.
وإن طال...
الرهان قائم بين المخلصين الأوفياء والمخلصين الأقوياء، والفرق بينهما عظيم. وعلى المجتمعات إعادة تعريف الولاء ومفاهيم المصير المشترك والاعتمادات؛ فصديق عدوك عدوك.
