التحول الرقمي في مدارس سلطنة عُمان

 

 

 

محمد بن علي الرواحي

 

يشهد التعليم المدرسي في سلطنة عُمان تحولًا رقميًا متسارعًا، يعكس إدراكًا وطنيًا عميقًا لأهمية مواكبة متغيرات العصر، وبناء منظومة تعليمية قادرة على الاستجابة لتحديات المستقبل. ولم يعد هذا التحول مقتصرًا على إدخال التقنيات الحديثة إلى البيئة المدرسية، بل أصبح مشروعًا متكاملًا لإعادة صياغة العملية التعليمية بأبعادها المختلفة، بما يضع المتعلم في قلبها، ويرتقي بدور المعلم، ويُحسّن من جودة المخرجات التعليمية.

لقد تبنّت وزارة التعليم التحول الرقمي بوصفه خيارًا استراتيجيًا لإعادة هيكلة النظام التعليمي، مستندةً إلى رؤية واضحة تسعى إلى تحقيق تعليم نوعي ومستدام، يوازن بين التطور التقني والقيم التربوية والهوية الوطنية، وانعكس هذا التوجه في تطوير السياسات، وبناء البنية الرقمية، وتوفير منصات تعليمية حديثة، أسهمت في إحداث نقلة نوعية في أنماط التعليم والتعلّم.

ومن أبرز النماذج التطبيقية على هذا التحول، منصة نور التعليمية، ومنظومة التعليم الإلكتروني، والمستودع الرقمي، التي وفّرت بيئة تعليمية رقمية موحّدة وآمنة، تتيح للطلبة والمعلمين الوصول إلى محتوى رقمي تفاعلي مرتبط بالمناهج الدراسية، وتدعم أنماط التعلّم الذاتي والتشاركي، كذلك أسهمت المنصة في تعزيز دور وليّ الأمر كشريك فاعل في العملية التعليمية، من خلال قنوات متابعة وتواصل رقمية عززت الشفافية، وعمّقت العلاقة بين المدرسة والأسرة.

وفي سياق تطوير الممارسات الصفية، أسهم التحضير الإلكتروني للمعلمين في تحسين جودة التخطيط التعليمي، من خلال أدوات رقمية مرنة تساعد على إعداد الدروس، وربطها بالأنشطة التفاعلية، ومؤشرات التقويم المستمر، بما يدعم تنويع أساليب التدريس، ويراعي الفروق الفردية بين الطلبة، ويُسهم في رفع كفاءة الأداء التعليمي.

ومثّلت أنظمة التقويم الإلكتروني والاختبارات الرقمية نقلة نوعية في قياس نواتج التعلّم؛ حيث وفّرت دقة في رصد مستويات الطلبة، وسرعة في تحليل البيانات، ودعمت اتخاذ قرارات تربوية قائمة على مؤشرات أداء واضحة، مكّنت المعلمين من تقديم تدخلات تعليمية مبكرة، وتحسين مستوى التحصيل الدراسي.

وعلى الصعيد الإداري، أسهم التحول الرقمي في أتمتة الإجراءات المدرسية، وتسهيل إدارة شؤون الطلبة، والسجلات الأكاديمية، والتواصل المؤسسي، ما انعكس إيجابًا على كفاءة العمل الإداري، وسرعة إنجاز المعاملات، وتعزيز التكامل بين المدرسة والأنظمة المركزية بالوزارة، ودعم الحوكمة، واتخاذ القرار المبني على البيانات.

ولم يُغفل هذا التحول البُعد الإنساني؛ حيث رافقته برامج تدريب وتأهيل مستمرة للمعلمين، والإداريين، والمشرفين التربويين، هدفت إلى بناء كفاءات رقمية قادرة على توظيف التكنولوجيا بوعي وفاعلية، وضمان الاستدامة في استخدام الحلول الرقمية، وتحويل التقنية من أداة إلى ثقافة عمل وممارسة تعليمية يومية.

وإجمالًا.. فإنّ تجربة التحول الرقمي في مدارس سلطنة عُمان تمثّل نموذجًا متدرجًا ومتزنًا، يجمع بين الطموح التقني، والرؤية التربوية، ويؤكد أن التحول الحقيقي لا يُقاس بعدد المنصات أو الأدوات، بل بقدرته على إحداث أثر إيجابي في المتعلم، والمعلم، والمجتمع. وهو تحول يؤسس لتعليم ذكي، آمن، ومُلهم، يُعدّ أجيالًا قادرة على التفكير، والابتكار، والمشاركة الفاعلة في صناعة المستقبل.

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z