د. عبدالله باحجاج
أنضمُّ للذين عبَّروا صراحةً وبصوتٍ مُرتفعٍ عن سرورهم بتعيين السيد إبراهيم بن سعيد البوسعيدي وزيرًا للتراث والسياحة، فقد كنتُ من متابعي مسيرته الناجحة، وقد كنتُ من ضمن الوفد الإعلامي رفيع المستوى المُكوَّن من وكيل ومديري عموم الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون سابقًا (وزارة الإعلام حاليًا)، والذي جاب محافظات البلاد ومن بينها محافظة البريمي لإقامة أستوديوهات تلفزيونية، بحيث تصبح كل محافظة من محافظات بلادنا مؤهَّلة للنقل المباشر لأي فعالية لا مركزية أو الربط المركزي باللامركزي.
وقد وجدناه- حينذاك- ينتظرنا في الموقع، ودار الحديث عن أفضل المواقع لإقامة أستديو يعكس جماليات البريمي ونهضتها، وقد خرجنا من هذا اللقاء السريع بانطباعات عن شخصيته كالتواضع والوضوح والرزانة والثقة والاستباقية والتواصل الفعّال... إلخ. وعندما انتقل إلى محافظة مسندم محافظًا لها، أشاد عاهل البلاد- حفظه الله ورعاه- بأدواره وجهوده في تنمية مسندم، وهي إشادة سلطانية نادرة واستثنائية في ذاتها، حينها أيقنتُ أنَّ هذه الشخصية لن تمكث طويلًا في الإطار المحلي، رغم كل ما تُحقِّقه من نتائج إيجابية، وأنها تُؤهَّل لإطار وطني عام. وهذا ما تحقق مع تعيينه وزيرًا للتراث والسياحة.
وتوصيفنا لمعالي السيد إبراهيم البوسعيدي بشخصية المهام الاستثنائية ليس مُجاملةً، وانما توصيف دقيق وعميق؛ فالبريمي موقع جغرافي عُماني استثنائي، وهي عمق حدودي عُماني تاريخي واقتصادي واجتماعي وثقافي وأمني، وتعيينه محافظًا للبريمي من عام 2019 إلى 2021 مهمة استثنائية، كما إن نقله إلى محافظة مسندم ذات الأولويات سالفة الذكر، وأكثرها تعاظمًا بحكم جيوسياستها وطبيعتها الجغرافية، هي كذلك مهمة استثنائية بامتيازٍ، ونجاحه فيها حقق الامتياز، بدليل الإشادة السامية بدوره وجهوده.
وتعيينه مُؤخرًا وزيرًا للتراث والسياحة يتماهى مع نفس المهام الاستثنائية التي تولاها في البريمي ومسندم، لكن هذه المرة ليس من نطاق الرؤية المحلية لجغرافيات وطنية استثنائية، وإنما لنطاق وطني عام له مهام استثنائية متعددة الأغراض والغايات، وتراهن عليها مسيرتنا المتجددة في مستقبلها الاقتصادي القيمي، المتمثل هنا في التراث والسياحة، وهذه نظرة سُلطانية ثاقبة في هذه الشخصية القيادية الواعدة.
المقومات الشخصية التي يتمتع بها معالي السيد إبراهيم بن سعيد البوسعيدي، وتجاربه الناجحة في المهام والمواقع الاستثنائية سالفة الذكر، يحتاج لها قطاعا التراث والسياحة في مختلف مواقعهما الجغرافية في بلادنا المترامية الأطراف، في ظل الحاجة لإدارة قيادية تفهم الخصوصية قبل الاستثمار، وتحمي الهوية قبل التسويق. وفي رؤية "عُمان 2040" يندرج قطاع التراث والسياحة كأحد محركات التنويع الاقتصادي والهوية الوطنية والقوة الناعمة والتشغيل، وهذه الاستثناءات ما لها سوى معالي السيد إبراهيم البوسعيدي؛ فخلفيته الإدارية الميدانية في استثناءات مسندم والبريمي تجعله يتمتع بفَهْمٍ عميقٍ لحساسية التعامل مع التراث والسياحة، ليس من منظور المنع، وإنما عدم الصدام، وجعل منظومة التراث والسياحة مصدرَ دخلٍ ومنتجةً لفرص العمل.
ويمكن الرهان على هذين القطاعين أكثر من أي قطاعات أخرى، فهُما يحميان الدخل ويُنتجان فرص العمل المستدامة، وأقل كلفة من القطاعات الأخرى الثقيلة، مقارنة بالصناعة والطاقة، وعائدهما مستدام، ويوفران فرص عمل كبيرة مباشرة وغير مباشرة، ويستوعبان كل فئات الشباب في كل مجتمع محلي. وبعبارة الاقتصاديين، إن الرهان على التراث والسياحة يعد تحولًا في فلسفة التنمية من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد القِيَمِي المستدام، والطموحات الوطنية الآن تتمثل في إعداد الخرائط السياحية بفُرصها الوظيفية المستدامة لكل محافظة، وجعل صناعة منتجات التراث والسياحة مختصة بأبناء كل محافظة، وتوطين القائمة فعلًا، مثل وظائف المرشدين السياحيين ومشغلي النزل التراثية بعد تعميمها في كل محافظة، إلى جانب إدارة المواقع الأثرية، وتنظيم الفعاليات الثقافية، ووظائف الحرفيين، والنقل السياحي والمطاعم والمقاهي المحلية، وزراعة المنتجات التقليدية المرتبطة بالسياحة، والعمل على تأسيس شرطة سياحية في كل محافظة، لأهميتها من حيث إدارة المواقع السياحية والمحافظة عليها، وكل هذه مجرد أمثلة لفرص عمل في كل محافظة.
على أن تكون البداية من خلال 3 محافظات؛ كانطلاقة نموذجية واعدة، وتتخصص في السياحة العائلية. فبلادنا وجهة عائلية مثالية؛ لأنها تجمع كل ما تحلُم به الأُسر، ونقترح هنا ربط التعليم الجامعي بالسياحة لرفد قطاعي التراث والسياحة بمخرجات سياحية حسب حاجة كل محافظة لها، وإقامة معاهد تدريب ميدانية، وصندوق تمويل سياحي للشباب؛ فالتراث والسياحة قادران على أن يكونا أكبر مُوَلِّد للوظائف المحلية في كل محافظة إذا أُديرَا كاقتصادٍ مجتمعي، كما هو سائد في بعض الدول.
من المؤكد أنه تم اختيار الأنسب لتلكم المهام الوطنية الكبرى المؤملة من قطاع التراث والسياحة؛ فخطة التنمية الخمسية الجديدة (2026- 2030) التي ترى في قطاع السياحة أحد المُمكِّنات الصلبة للتنويع الاقتصادي، في حاجةٍ ماسّةٍ لقيادةٍ وزاريةٍ جديدةٍ تحمل تفويضًا سياسيًا ورؤية جديدة لتحقيق رهانات بلادنا المتعددة في قطاعي التراث والسياحة، وهي تتركز في التنويع الاقتصادي وتعزيز الهوية الثقافية وخلق فرص وظيفية في كل محافظة.
