ذاكرة طفل تأثّر بجده

 

 

علي بن سهيل المعشني (أبو زايد)

 

في ذاكرة الإنسان لحظات، وفي قلبه أشخاص، إذا ذُكروا عاد الزمن خطوةً إلى الوراء، لا ليستعاد كذكرى عابرة، بل ليُعاد بكل تفاصيله. وذاكرتي مع جدي علي بن سهيل أصفيف المعشني – رحمه الله – لم يكن مجرد جدٍّ في سجل العائلة، بل كان زمنًا كاملًا، وذاكرةً حيّة اختزنت الأرض والناس والتاريخ في صدرٍ واحد.

توفي جدي رحمه الله سنة 1977م، وقد ناهز 120 عامًا، وهو عمر استثنائي لا تُقاس قيمته بطوله، بل بما حمله من تراكمٍ معرفيّ، وبما تركه من أثرٍ عميق في كل من عرفه أو جلس إليه أو أنصت لحديثه. عاش أجيالًا متعاقبة، وشهد تحولات كبرى في المجتمع والحياة، لكنه ظل ثابتًا في حكمته، متقد الذهن، قوي الذاكرة، حاضر العقل، فصيح اللسان.

وُلِدَ جدي كما كان يروي – رحمه الله – عام 1857م، وهذا التاريخ في عهد السيد ثويني بن سعيد بن سلطان البوسعيدي، وحتى عهد السلطان قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه – وبهذا العمر يكون قد عاصر حكم سبعة من سلاطين عُمان، رحمهم الله جميعًا. ولم يكن تحديده لتاريخ ميلاده تخمينًا، بل حسابًا دقيقًا اعتمد فيه على ذاكرته القوية، وعلى قصة كان يرويها عن والده.

قال إن والده، يوم وُلد، نزل إلى مدينة طاقة لقضاء شؤون الأسرة، وكان من بينها استقبال مولود جديد. وهناك التقى بصديقه القاضي محسن آل حفيظ، وبعد السلام وتبادل الأخبار، أخبره بولادة ابنه وتسميته عليًّا، فبادره القاضي قائلًا: «نحن كذلك، قد رزقنا الله البارحة بمولودٍ ذكر وسميناه عليًّا».

ودارت الأيام، ليتوارث جدي علي والقاضي علي بن محسن آل حفيظ الصداقة بعد والديهما، وكان توثيق القاضي لميلاد ابنه مرجعًا زمنيًا ثابتًا اعتمد عليه جدي في حساب عمره، فحفظ التاريخ، وأيقن منه.

من أجمل ما أحتفظ به من ذكرياتي معه، رحمه الله، تلك العبارة التي كان يرددها لوالدتي، يقول: "علي ولدي سيكون شاعرًا".

كنت أسمعها وأنا طفل، فأشعر بسعادة خالصة لا أفهم سببها تمامًا، لكنها كانت توقظ في داخلي شعورًا بالتميّز، وانتماءً مبكرًا للكلمة. لذلك كنت أحب الجلوس بقربه، وأحرص على ملازمته، كأنني أخشى أن يفوتني شيء من ذلك النبع المعرفي المتدفق، متعلّقًا به.

وبرغم صغر سني، وعدم معرفتي آنذاك بالتدوين أو الكتابة، إلا أن ذاكرتي الصغيرة التقطت الكثير من ذلك البحر الواسع. وبتشجيعه الصادق، بدأت أولى محاولاتي الطفولية في تركيب الكلمات. لم تكن قصائد، ولا شعرًا بالمعنى المعروف، بل محاولات بريئة، تراكيب لغوية يصنعها طفل لم يتجاوز السادسة – وربما أقل. كنت أذهب إليه بما أقول، فيصغي باهتمام، ويبتسم بإعجاب، وكان ذلك الإعجاب كفيلًا بأن يزرع داخلي يقينًا مبكرًا بأن للكلمة قيمة، وأن الصوت الصغير يمكن أن يكبر. كذلك كنت أفتخر بأن اسمي علي بن سهيل على اسمه.

لم يكن جدي رجلًا عاديًا في معارفه، بل كان موسوعةً تمشي على الأرض. عرف الأنساب بدقة مذهلة، لا بوصفها أسماءً مجردة، بل كسلاسل حيّة متصلة، يعرف فروعها وتشعباتها، ويضع كل اسم في موضعه الصحيح من التاريخ. وكان يعرف الأرض كما يعرف الإنسان كفَّه: أسماء القمم، والأودية، والشعاب، والسهول، ومسارات البادية، وحدود الجبل، وملامح المدن.

أتذكر يومًا، وقد دفعني الفضول الطفولي، أني سألته بعفوية صادقة: "يا جدي، كيف تعرف كل ظفار؟ وكيف تحفظ أسماء المناطق وأنساب أهلها؟"

نظر إليّ بهدوئه المعهود، وقال: "يا ولدي، أنا أعرف ظفار من أقصاها إلى أقصاها؛ قممها وأوديتها وشعابها وسهولها. وأعرف من يسكنها: باديةً، وجبلًا، ومدنًا. ولدي من المعرفة ما يمكنني من أن أُنسِّب أي قبيلة أو أي فرد إلى نسبه الصحيح".

ولم يكن هذا القول ادّعاءً، بل حقيقةً شهد بها الناس. فقد كان رحمه الله مرجعًا لمن أراد معرفة نسبه، أو تصحيح انتسابه إلى أي قبيلة، أو الوقوف على أصلٍ التبس عليه. كان الناس يأتون إليه من أماكن بعيدة بثقة كاملة، لأنه لا يتكلم إلا بعلم، ولا ينطق إلا بما يراه حقًا.

ومن القصص التي ما زالت عالقة في ذاكرتي، قصة رجلين قدما إليه ينتسبان إلى قبائل ليست قبائلهما الأصلية، لأسباب تعود إلى حقب زمنية قديمة وتعقيدات اجتماعية معروفة في تاريخ القبائل. سألاه عن نسبهما، وذكرا ما سمعاه من روايات متضاربة.

في البداية، حاول الاعتذار بلطف قائلًا: "يا أولادي، أعفوني من الجواب".

لكنهما ألحّا عليه، فأدرك أن التراجع لم يعد ممكنًا، فقال بشرط الحكيم العارف بثقل الحقيقة: "إذن أريد وعدًا منكما بعدم الزعل، إن قلت لكما الحقيقة".

فأجاباه: "نعدك بذلك".

حينها بدأ يفصل لهما الأنساب بدقة مذهلة: من أين جاء كل جد، وكيف انتقلت السلسلة، وما الظروف التاريخية التي أدت إلى ذلك الانتساب. لم يترك تفصيلًا إلا وبيّنه، ولا حلقةً إلا ووصلها بما قبلها.

وبعد أن انتهى، ساد صمتٌ ثقيل، ثم انفجر أحد الرجلين ضاحكًا بمرارة، وقال لصاحبه: "لو تركنا الإلحاح على الشيخ، لكان أفضل لنا".

تختصر هذه القصة، وغيرها الكثير، جوهر شخصية جدي: الصدق، والعلم، والشجاعة في قول الحقيقة، مع حسٍّ إنسانيٍّ عميق بثقل الكلمة حين تُقال.

أما طريقته في السرد، فكانت فنًّا نادرًا. لم يكن يحكي القصة، بل يصنع لها مسرحًا. يتغير صوته مع الحدث، ويختلف إيقاعه مع تصاعد القصة أو هدوئها. كانت الحواس كلها تشارك: ترى المشهد، وتسمع وقع الخطى، وتشعر بحرارة الموقف ودفء الحكمة. وكان يدعم حديثه أحيانًا بالشعر، وأحيانًا بالأمثال، وحينًا آخر بالوقائع، في توليفة آسرة لا تُنسى.

كانت فصاحته طبيعية غير متكلفة، وحديثه عذبًا يدخل القلب قبل الأذن. كان مدرسةً قائمة بذاتها، تعلمك أن الكلمة مسؤولية، وأن المعرفة أمانة.

إن الحديث عن علي بن سهيل أصفيف المعشني ليس مجرد استذكار لجدٍّ رحل، بل هو إنصاف لرجل حمل ذاكرة ظفار، وحفظ أنسابها، وروى تاريخها، وزرع في طفل صغير بذرة الكلمة.

رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل أثره الطيب ممتدًا فينا، ما دامت الحكاية تُروى، وما دامت الكلمة تُقال.

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z