ماجد بن علي الهادي
النسيان، وما أدراك ما النسيان؛ ذلك الهاجس الذي يقضّ على الفكر مضجعه، ويفترس مكامن التركيز والإدراك. بالتأكيد هو عملية عصبية ونفسية معقّدة، تتراوح بين كونها آلية صحية لتنظيف الدماغ من المعلومات غير الضرورية، وبين كونها علامة على أمراض مثل الخرف أو نتاجًا لضغوط نفسية.
عملية صحية أهدانا إياها الخالق سبحانه وتعالى لتكون رحمة للنفس، وتخفيفًا للروح، فلولا النسيان لغدونا في جحيم التشتّت تائهين، وتحت أنين الندم راضخين، لا حول لنا ولا قوة إلا عضّ أصابع الحيرة والقلق والخوف من مجهول العاقبة. كون العملية تكون مرهونة بالخطأ، ومرتبطة بالاندفاع والتسرّع. وهذا ما يحدث في حياتنا اليومية، فكم من لفظ أو فعل عملناه في لحظة تسرّع واندفاع أودى بنا إلى مهاوي الضيق والغضب من النفس التي لم تستطع التحكم في ذاتها في ذلك الوقت، وبطبيعة الحال فالحلقة متسلسلة مع التبعات من جراء ذلك الاندفاع (اكتئاب، ضيق، اضطرابات في المزاج، الصداع، إرهاق، ارتباك، صعوبة التركيز)، وهذه الأخيرة بكل مفرداتها السابقة ستتسبّب في الانهيار العصبي في آخر المطاف، سيما إن لم نعالج ما كان سببًا للوقوع بين أنياب سلبية ردة الفعل.
هذه السلبية التي قلّما قدر الإنسان التحكم فيها، خصوصًا إن كان هذا الإنسان يتّصف بالحساسية المفرطة، التي يكون وقعها سيئًا لفترات طويلة، وصداها مؤلمًا في كل الجوانب الجسدية والروحية. هل للذاكرة نسيان؟! سؤال فلسفي وبالتأكيد ستكون الإجابة بقدر معنى السؤال. لكن قبل ذلك دعونا نعرّف الذاكرة ووظائفها؛ فالذاكرة هي وظيفة عقلية معرفية عليا تتيح للدماغ استقبال المعلومات، تشفيرها، تخزينها، واسترجاعها عند الحاجة. أما عن أهم وظائفها فإنها تُعدّ مستودعًا للخبرات والمعارف السابقة الضرورية للتعلّم والتعامل مع المحيط، مع العلم بأن آلياتها الرئيسية هي: التخزين المؤقت، قصير المدى، وطويل المدى، وهي ضرورية لتكوين الوعي، الهوية، والتكيّف السلوكي.
هذا التعريف مع الوظائف والآليات يتبيّن لنا بأن للنسيان ذاكرة؛ بمعنى المداورة والانعكاس؛ أي إن كل المخزونات التي نعتقد بأننا قد نسيناها هي في الحقيقة "نائمة" ولا تستيقظ إلا عندما يجلّيها "العقل الباطن"، هذا الذي لا ينام أبدًا ويشاكس العقل الظاهر باستمرار؛ فيصفعه بكل التراكمات السلبية ويزعجه بكل الترسبات المقيتة. وبالتالي بما أن من وظائف الذاكرة استرجاع ما تم تخزينه في وقت سابق، فإن للنسيان رأيًا في هذا الشأن، ألا وهو كشف ما تم تخزينه؛ سواء على صورة موقف أو لفظ. وعادة يكون اللفظ معنويًا، أي صراعًا بين النفس والعقل، معركة بين هدوء المنطق وصرخة الهمجية. لكن في الأخير تلك الهمجية لا تحدث إلا استثناءً، وإن حدثت فلا تكون قد خضعت لخاصية النسيان؛ لأن في العادة الإنسان يصطدم مع أقرانه في مواقف آنية. وإن ترسّبت وحاولت الذاكرة استدعاءها، فإن الغضب يكون قد خمد، ولن يكون هناك سوى ردة فعل غير ضارة.
ومن أهم التقنيات النفسية لمعالجة الردود الفعلية المستفزّة التي يتعرّض لها الإنسان، هي استخدام الحيل العقلية مثل ربط السلوك بالأهداف النهائية؛ أي نرسل إلى عقلنا رسالة مفادها مثلًا: ماذا ستستفيد من فعل ذلك؟ ستكون الإجابة منطقية: أين سيقودك غضبك؟ فالسلوك السيئ الصادر من المُستفِز سترجع تبعاته عليه طالت المدة أم قصرت، لا سيما إن كان المُستفَز قد تعامل مع الاستفزاز بهدوء وحكمة ورجاحة عقل ورزانة نفس.
وأخيرًا.. كما قال ابن قيم الجوزية: «النفس كالعدو، إن عرفت صولة الجد منك استأسرت لك، وإن آنست منك المهانة أسرتك".
