حكاية عُمان المستمرة

 

 

 

معاوية الرواحي

تبدو حكاية عُمان من الخارجِ عاديةً للغاية. ربما لهدوئها الدائم وبعدها عن الضجيج العالمي. الواقعُ مختلفٌ تمامًا عندما تعرفُ عُمان من الداخل، وتُحاول فهمَ وضعها الداخلي. نصيب عُمان من حُكَّام الدولة المدنية الحديثة هما اثنان: السلطان قابوس بن سعيد رحمة الله عليه، وحضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المعظم-- حفظه الله وأبقاه.

ومنذ 1970، وظروف عُمان لم تكن في أحسن حال. حربٌ قائمة، وتغيير غير نمطي في نظام الحكم، وتغيير اسم البلاد، وعصر النشأة، والتأسيس، وعُمان الحديثة التي أصبح يعرفها القاصي والداني. عاشت عُمان مراحلها، واختتمت بتسليم الأمانة بإشارةٍ من السلطان الراحل إلى سلطان عُمان هيثم بن طارق آل سعيد.

لكنْ هل حكاية عُمان دائمًا مصحوبةٌ بالسهولة واليُسر؟ كان انتقال السلطة في 2020 سلميًا، وهادئًا، وواضح المعالِم، بينما العالَم وقتها لم يكن واضح المعالِم، والتحديات بدأت من اللحظة الأولى، أزمة عالميةٌ خانقة بسبب الجائحة الصحية، وديونٌ تستنزف الميزانية العامة، وإغلاقٌ وراء إغلاق. كعادةِ عُمان، لا تكون الأمور أبدًا سهلةً عليها، ولا على بداياتها.

كما كان كل ما يحدث من قبل في سنواتٍ معيَّنة في تاريخ عُمان الحديث جديدا، فاليوم ما يحدث جديد أيضاً. سلطانٌ برؤية اقتصادية، وهذا الاقتصاد ليس اختيارًا؛ بل هو أقصى ما تفرضه الضرورات الجديدة في دولة تغيَّر عدد سكّانها، وأصبح المُضي قدمًا في نظرية التوزيع المُباشر للثروة الطبيعية أمرًا يفلت من اليدين مع كل يوم يمضي مع زيادة عدد السكان.

لذلك اختار السلطان هيثم مقاربة بناء الاقتصاد العُماني الحديث، ومجددًا، شيء جديد في عُمان، تأسيسٌ، وإعادة النظر في السوق، وبناء التغييرات. اختار التدرُّج في التغيير، وسعى بكل جهده إلى تجنيب البلاد زلازل التغيير المفاجئ والجذري، وهذا ما يتضحُ من نهجِه المستمر.

إنَّ تسميةَ السلطان هيثم بالسلطان الاقتصادي لن تكون تسمية في غير موضعها؛ فمسيرة عُمان حتى هذه اللحظة تُكمل النشأة، وتقصر المسافة التي تسابقُ فيها بقية الدول والأمم لتصل إلى حالة التنافس على الفرص العالمية. والاقتصاد ليس قرارًا داخليًا واحدًا، وإنما تهيئة للدخول في مناطق الفرص، وهذه لا تأتي بدون منافسين، وتنافس، وعواصف اقتصادية عالمية وسياسية، فضلًا عن الحروب التي تطل برأسها على المنطقة.

إنَّ الحديث عن السياسة الخارجية العُمانية إن بدأ، فدائمًا ينتهي في مجموعة جمل قصيرة. دولة لا تتدخل في شؤون الآخرين، وترفض أن يتدخل أحد في شؤونها، نقطة في نهاية السطر. وقد استمرَّ جلالة السلطان هيثم على هذه السياسة، وأكمل عليها بنهجٍ آخر، هو العفو عن اللاجئين الذين يطلبون العودة. وماذا بعد سياسيًا؟ لا شيء آخر، عُمان مُستمرةٌ على نهج هادئ ومسالم.

نعود إلى الاقتصاد؛ حيث إن إنشاء نموذج اقتصادي لعُمان هو التحدي الحقيقي الذي تعبُره عُمان في خطوات حذرة للغاية. ففي فترة التأسيس الأولى في سبعينيات القرن الماضي، لم تكن فكرة المراهنة أبدًا بنشأة الدولة ووضعها تحت يدي الاقتصاد العالمي المتقلب مطروحةً، وكان اختيار "المنطقة الآمنة" هو سيد الموقف حتى عبرت السنوات بعُمان إلى مناطق الاكتمال لمؤسسات الدولة، وبناء أعرافها الأولى، والتي استمر مُعظمها حتى في عهد السلطان هيثم.

فما التحدي الذي واجه سلطان عُمان اليوم؟

التحدي الاقتصادي، الذي حتى هذه اللحظة هو بكل مفاهيمه جديد للغاية، يحمل كل يومٍ توسعًا في مناطق متعددة، ويحاول أن يُوزِّع النمو بين القطاعات، وخلال كل هذا التوازن بين الاستثمار، وصناعة الفرص اقتصاديا، والحماية الاجتماعية قدر الإمكان. توازنٌ يحاولُ كل يوم أن يُدخل عُمان إلى منطقة الزخم الاقتصادي، وإلى جذب الاستثمار، وهذا ما يمكن فهمه بسهولة من المشهد العام بكل ما فيه من مشاريع جديدة، ومفاهيم اقتصادية تتبلور، ورؤية إسكانية مختلفة، وكل هذا مجددا، جديد للغاية، وينشأ بكل تجاربه، ونستطيع حتمًا أن نقول بكل صوابِه وأخطائه؛ فتصويب المسار مستمر.

تحسَّنت أحوال حرية التعبير كثيرًا بعد انتهاء فترة الطوارئ الحذرة التي صاحبت السنوات الأخيرة من حكم السلطان قابوس، وعادت أنهار الكتابة إلى مجاريها، والقانون سيد الموقف. لعل الأجيال الجديدة الآن التي تكتب لم تكن تعرفُ مجددًا حكاية عُمان التي تبدو هادئة للغاية من الخارج، أما في الواقع فكل مراحل عُمان كانت صعبة، لا أظن أن مراحل عُمان كنت يومًا سهلة إلّا في سنواتٍ قليلة من الرخاء والوضوح.

الملاحظ تمامًا في عهد جلالة السلطان هيثم هو المساهمة المباشرة من قائد المنظومة السيادية في صنع التحالفات الاقتصادية. الاعتياد العُماني على فعل ذلك سياسيًا، أُضيف إليه اليوم عامل جديد آخر، وهو أن السلطان ذاته يذهبُ ويعزز دور الاقتصاد العُماني. التوازن الصعب للغاية بين العرض والطلب، وماذا ستُقدم للغرباء المستثمرين في بلاد واضحة المعالم، ولكن في الوقت نفسه مجهولةٌ للغاية.

عرضٌ وطلبٌ، وكيف تُحسِّن الطلب على عُمان فتُقلِّل من التنازلات الاستثمارية والتحفيز الزائد عن الحد الذي يُفرض عليك من قبل الاقتصادات الأخرى؟ إحدى التحديات الرئيسية في عهد السلطان هيثم، أن شوطًا واضح المعالم قد قُطع، وشوطًا طويل آخر في الطريق المستمر إلى عصر الديمومة والاستمرارية بعد نهاية عصر التأسيس على وجه واضح من وجوه الاكتمال في بناء مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية.

تستمر الحكاية العُمانية في كتابة نفسها، بالصعوبة نفسها، بالتحديات الكبيرة نفسها. كانت يومًا ما دولة جديدةً تسعى للتأسيس ووضع نفسها على الخارطة السياسية، وأصبحت اليوم اقتصادًا جديدًا يحاول وضع نفسه على الخارطة الاقتصادية، مدعومًا بالإرادة السياسية العُمانية. وكل ذلك ليس سهلًا، ليس سهلًا بينما زلزل وباءٌ العالم، ثم في عهد حروب في المنطقة، وفي عهد دينٍ عامٍّ ثقيلٍ، وتغييرات مستمرة كلها تسعى نحو هدف عُمان الرئيسي: دولة اقتصاد نامٍ، يُثمر، ويربو، ويتحولُ إلى صمام الأمان الرئيسي للدولة وللمجتمع لاستبدال الواقع النفطي المتذبذب أيضًا، والذي لا يمكن الاعتماد عليه للأبد.

عهد آخر من عهود عُمان المليئة بالتحديات، والإنجازات، والنمو التدريجي، والمحاولات المُستمرة للحظة الانطلاق الاقتصادي.

نصَرَ اللهُ سلطان عُمان، وأيده بالبطانة الصالحة، وكتب له برَّ بنيه وعائلته، وأعانه على الأمانة، ورزقه فرحة اكتمال الخطط، ونجاح التنفيذ، وكتب على يديه رخاء عُمان وسلامتها، واستقرارها، وأمانها، ونموها الاقتصادي الكبير بإذن الله.

الأكثر قراءة

z