سُلطان بن خلفان اليحيائي
قبل نحو سبعين عامًا، كان أبناء الخليج يعيشون أيام البساطة وصدق القلوب؛ يتبادلون العون والمحبة. وكان الإحساس بالآخر والتراحم سِمةً أصيلة في تفاصيل حياتهم اليومية. كانت المجتمعات الخليجية صغيرةً ومتناغمة، تقوم روابطها على التوادّ والتعاون.
تستمد قيمها من الفطرة السليمة والأخلاق الرفيعة، بعيدًا عن تعقيدات العصر الحديث وتشابكاته. وفي سياق تاريخي متصل بتلك المرحلة، نشأت دول الخليج لا بوصفها نتاج ثورات عنيفة تهزّ العروش، بل ككيانات قادتها شخصيات خرجت من نسيج المجتمع نفسه، مستندة إلى فطرة الحاكم الأبوي الذي يعرف أبناء شعبه ويحرص على مستقبلهم. وقد شكّلت هذه القيادات رمزًا للأمان والاستقرار، فحفظت خصوصية مجتمعاتها، ووازنت بين الحكمة والرحمة، مما جنّب شعوبها اضطرابات التحولات العنيفة التي عرفتها مناطق أخرى في الإقليم.
غير أن هذه البنية الاجتماعية المتماسكة لم تكن بمعزل عن تحولات كونية عميقة. سرعان ما أعادت تشكيل علاقة الإنسان بالزمن، وبذاته، وبالعالم من حوله.
ومع تسارع إيقاع الزمن، تلاحقت الأحداث حتى بات الإنسان يسبقها أحيانًا بعقله. ويتجاوزها أحيانًا أخرى دون وعي كامل بتبعاتها. لم يعد الوقت يُعاش بقدر ما يُختزل؛ فانكمشت المسافات، وتغيرت أدوات الحركة، وتسارع التفكير نفسه قبل أن يكتمل رشده.
وفي مصداقٍ لما أخبر به نبينا محمد عليه الصلاة والسلام عن تقارب الزمان، انتقل الإنسان من سفر يصاحب فيه الزمن ويشعر بثقله، إلى تنقل خاطف اختصر الإحساس بالمسافة. وضغط الأيام والشهور في ساعات.
وكنتيجة لهذا التسارع، ظهرت قدرات ذهنية بنّاءة وأخرى منحرفة. أعادت تشكيل وعي الإنسان ومسار حياته، وغيّرت نظرته إلى الوجود ومقاصده. غير أن التسارع، حين يُفصل عن ميزان القيم، لا يقود بالضرورة إلى النضج. بل قد يفتح الباب لانحرافات تمس جوهر الإنسان ذاته.
ومع تجاهل المكابح الربانية التي تضبط هذا التسارع، تجاوز الإنسان المقصد الأسمى من وجوده. ويتضاعف هذا الخطر لدى من لا يعي تبعات هذا الانحراف، فتتحول مظاهره من سلوكيات فردية إلى تشريعات وثقافات تُفرض على المجتمعات المحافظة باسم الحداثة أو الحرية.
وحين تنتقل هذه الانحرافات من نطاق السلوك الفردي إلى دوائر القرار العام، يصبح أثرها أعمق. وتتجاوز الفرد لتصيب بنية الدولة ونمط نفوذها.
ومن رحم هذه التحولات، بات من الواضح أن الدولة التي تُسخّر نفوذها لمصلحة شعبها، وتستثمر في الإنسان قبل البنيان، وتبني اقتصادها على أسس مستدامة، تُؤسّس لجسرٍ متين من التنمية المشتركة والاستقرار.
هنا تتشكل قاعدة النفوذ السليمة: نفوذ يُبنى من الداخل قبل أن يُمارَس في الخارج.
أما حين يُستنزف النفوذ والمال في مسارات بعيدة عن القيم والمصلحة العامة، فإن الداخل يضعف، وتتسع دوائر الهشاشة، ويصبح الأمن الخارجي مرهونًا بتصرفات غير حكيمة.
إن التوازن بين القوة والحكمة، وبين النفوذ والالتزام بالقيم، هو ما يجعل الدولة جسراً للتنمية المشتركة، لا مشروعًا مكلفًا لا يصمد طويلاً أمام أول اختبار حقيقي.
وفي النهاية، تبقى الخيارات واضحة بين مسارين لا ثالث لهما: إما أن يكون النفوذ أداة لتعزيز الخير والتنمية المشتركة، أو أن يتحول إلى سباق سلبي يُضعف الداخل ويهدد الأمن الخارجي.
فمن يختَر الحكمة، والصبر، والاستثمار في شعبه، يظل صوته مسموعًا وسمعته طيبة؛ أما من يُفرّط في هذا التوازن، فقد يجد نفسه أسرع إلى السقوط، ثم التشظي، وفقدان للأبد بريق التأثير.
