لماذا تُستهدف إيران؟ قراءة استراتيجية في صراع الردع والهيمنة

 

 

 

زكريا الحسني

هل تعلمون لماذا تستهدِف إسرائيل الجمهوريةَ الإسلاميةَ الإيرانيةَ؟

هذا الاستهداف لا يمكن فهمه بمعزل عن شبكة معقدة من الاعتبارات الاستراتيجية والسياسية والعقائدية والاقتصادية، التي تحكم طبيعة الصراع في المنطقة وتكشف عن عمق المخاوف التي تشكل وعي صُنّاع القرار في تل أبيب وحلفائها الغربيين.

وأول هذه الاعتبارات يتمثل في السعي الحثيث إلى إزالة الخوف الاستراتيجي المتنامي من القدرات الصاروخية الإيرانية وهي قدرات لم تعد مجرد أدوات عسكرية تقليدية؛ بل تحوّلت إلى عنصر ردع فعّال أحدث خللًا حقيقيًا في موازين القوة وفرض معادلات جديدة لم تكن إسرائيل معتادة عليها.

إسرائيل التي بنت تفوُّقها لعقود على احتكار القوة والضربة الاستباقية، تجد نفسها اليوم أمام خصم قادر على إيصال نيرانه إلى العمق، ما يُقيّد حريتها في الحركة ويربك حساباتها الأمنية.

أما الاعتبار الثاني؛ فيتجاوز البعد العسكري إلى البُعد الحضاري والفكري؛ إذ إن قيام ثورة إسلامية ناجحة استطاعت الصمود لأكثر من 4 عقود رغم الحصار والعقوبات والضغوط يشكّل نموذجًا حيًّا يُحتذى به لدى الشعوب المُستضعَفة، هذا النموذج يمنح الأُمَّة ثقةً بذاتها ويُعيد الاعتبار لفكرة الاستقلال والسيادة ويُقوّي شوكة الإسلام سياسيًا وحضاريًا، وهو أمر لا تقبل به القوى التي ترى في وعي الشعوب ونهضتها وخروجها من دائرة التبعية خطرًا وجوديًا يهدد منظومتها القائمة على الهيمنة والاستغلال.

ويأتي الاعتبار الثالث في سياق الهيمنة الإقليمية؛ حيث تسعى إسرائيل إلى التفرُّغ للعربدة السياسية والعسكرية في المنطقة دون وجود قوة إقليمية قادرة على كبح اندفاعها.

ولا يخفى أن ثروات الخليج تمثّل قلب الصراع الاقتصادي؛ إذ تُعد الهدف الأبرز لمشاريع السيطرة والنفوذ، وفي هذا الإطار يبرز مشروع توسّعي قديم متجدد يقوم على وهم ما بين النهرين، من النيل إلى الفرات، وهو تصور أيديولوجي يغذي الطموح الإسرائيلي ويمنحه بعدًا يتجاوز حدود الجغرافيا إلى إعادة رسم المنطقة بأكملها.

أما الاعتبار الرابع؛ فيرتبط بالصراع الدولي الأوسع؛ حيث تسعى القوى الغربية عبر إسرائيل وأدواتها إلى التحكم في مصادر الطاقة العالمية، وتجفيف شرايين القوة الصاعدة وفي مقدمتها الصين التي باتت تمثّل التحدي الأكبر للهيمنة الغربية، كما يندرج في هذا السياق السعي إلى محاصرة روسيا وكبح نفوذها في إطار صراع مفتوح على المستقبل تتداخل فيه الجغرافيا بالاقتصاد والطاقة بالسياسة والحروب بالتحالفات. ومن هذا المنطلق، فإن مساندة إيران سياسيًا وعسكريًا وإعلاميًا واقتصاديًا لا ينبغي أن تُفهم بوصفها موقفًا عاطفيًا أو انحيازًا أيديولوجيًا أعمى؛ بل باعتبارها خيارًا استراتيجيًا تفرضه موازين القوى وحسابات الصراع؛ فالتوازن- مهما كان هشًا- يبقى أقل كلفة من الانفراد ووجود قوة إقليمية قادرة على الردع يمنع الانزلاق إلى فوضى شاملة يدفع ثمنها الجميع.

إنَّ الغرب إنْ تُرك دون رادع قادم، يمارس العربدة كما شاء، فقد بنى تقدّمه عبر التاريخ على نهب ثروات الشعوب واستنزاف خيراتها من الاستعمار القديم إلى الهيمنة الحديثة بأدوات أكثر نعومة وأشد فتكًا، ولا يزال إلى اليوم يقتات على دماء الآخرين ويحوّل معاناة الشعوب إلى رفاهية مستدامة لمجتمعاته. لذلك، فإن الواجب الأخلاقي والسياسي يقتضي اليقظة من الغفلة والوعي بحقيقة الصراع وفهم أبعاده العميقة بعيدًا عن الشعارات السطحية كما يقتضي وضع النقاط على الحروف وامتلاك الجرأة في تسمية الأشياء بأسمائها قبل أن تفرض علينا الحقائق بالقوة ويكتب التاريخ بغير أقلامنا وتصاغ خرائط المستقبل دون أن يكون لنا فيها رأي أو دور.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z