عيسى الغساني
لا تنهار الأوطان دفعة واحدة، بل تبدأ بالانقسام في المعنى قبل أن تنقسم في الجغرافيا. وعندما يضعف مفهوم الوطن بوصفه إطارًا جامعًا، تتقدّم نماذج الطوائف لتملأ الفراغ. هنا لا يكون الصراع سياسيًا فقط، بل صراعًا عميقًا حول الهوية، والانتماء، وشكل الدولة ذاتها.
نموذج الوطن يقوم على فكرة أساسية مفادها أن المواطنة هي الرابط الأعلى بين الأفراد، وأن القانون هو المرجعية المشتركة التي تنظّم الحقوق والواجبات. في هذا النموذج، لا يُلغى التنوع الديني أو الثقافي أو الاجتماعي، بل يُدار داخل عقد اجتماعي واضح يضمن المساواة ويمنع تحويل الاختلاف إلى صراع. الوطن هنا ليس شعارًا، بل منظومة قيم ومؤسسات تحمي الجميع دون تمييز.
في المقابل، تقوم نماذج الطوائف على منطق مغاير تمامًا. فالانتماء الجزئي يتحول إلى هوية شاملة، والجماعة تصبح مصدر الأمان بدل الدولة. ومع الوقت، يُعاد تعريف الحق والباطل، والولاء، وفق مصلحة الطائفة لا وفق المصلحة العامة. في هذا السياق، لا يعود القانون حكمًا محايدًا؛ بل أداة تفاوض أو صراع، وتصبح الدولة ساحة لتقاسم النفوذ لا إطارًا جامعًا.
خطورة النماذج الطائفية أنها تبني السياسة على الخوف. كل جماعة ترى الأخرى تهديدًا محتملًا، وكل حدث يُفسَّر باعتباره حلقة في صراع وجودي طويل. وبدل أن يكون التنوع مصدر قوة، يتحول إلى عبء دائم، وتتحول الذاكرة إلى وقود تعبئة لا ينطفئ. في مثل هذا المناخ، يصبح الاستقرار مؤقتًا، والسلام هشًا، لأن الأساس النفسي للمجتمع قائم على القلق لا على الثقة.
يؤدي الإعلام دورًا حاسمًا في ترجيح أحد النموذجين. ففي نموذج الوطن، يُفترض بالإعلام أن يوسّع دائرة المشترك، ويقدّم السياق، ويشرح التعقيد بدل تبسيطه المخل. أما في نماذج الطوائف، فيتحول الإعلام إلى أداة شحن واستقطاب، تُضخَّم فيه الحوادث الفردية، وتُبنى سرديات تقسيم، ويُكرَّس خطاب "نحن" في مواجهة "هُم". لا يُنتج هذا الإعلام وعيًا، بل يُنتج اصطفافًا.
الأثر الاجتماعي لهذا التحول عميق؛ فالمواطن في نموذج الوطن يشعر بقدر من الطمأنينة، لأن حقوقه محمية بالقانون، ولأن مستقبله مرتبط بمشروع عام. أما الفرد في النموذج الطائفي فيعيش حالة توتر دائم، ولأن الخوف حاضر في كل لحظة. ومع الوقت، تتآكل الثقة بين الجماعات، ثم بين المجتمع والدولة، فتضعف قدرة الجميع على التعايش والتعاون.
التاريخ يبيّن بوضوح أن الأوطان لا تسقط بسبب التعدد، بل بسبب سوء إدارة التعدد. حين تفشل الدولة في ترسيخ المواطنة، تملأ الطوائف الفراغ. وحين يضعف القانون، تبحث الجماعات عن حماية بديلة. لكن هذه الحماية مؤقتة وخادعة، لأنها تعمّق الانقسام ولا تعالجه.
الخلاصة.. أن الصراع بين نموذج الوطن ونماذج الطوائف هو صراع على مستقبل المجتمع. إما وطن جامع تحكمه المواطنة والقانون، أو جماعات متجاورة يحكمها الخوف والارتياب.
