سُلطان بن خلفان اليحيائي
ليست الأنا في أصلها عيبًا، إنما الخلل حين تفلت من ميزانها فتتحوّل من وعيٍ بالنفس إلى سلطة على الآخرين. وحين يتسرّب هذا الداء إلى الفرد والمؤسسة معًا يصبح أثره أعمق وأخطر. ولهذا جاء في الهدي النبويّ ميزانٌ دقيق يُعيد الإنسان إلى حجمه دون أن يسلبه قيمته ويُصلح موقعه دون أن يُفسد قلبه.
لمّا وقف رجلٌ أمام النبي صلى الله عليه وسلّم وقد ارتجف صوته لم يرفعه بالصمت ولم يُرهبه بالمقام؛ بل قال بهدوءٍ يبدّد الوهم: "هوِّن عليك إنما أنا ابنُ امرأةٍ كانت تأكل القديد". كلمة قصيرة لكنها أسقطت المسافة المصطنعة بين النبوّة والإنسان وأعادت الميزان إلى موضعه الصحيح.
فالرفعة عنده عليه الصلاة والسلام لم تكن في العلو؛ بل في القرب ولم تكن في الهيبة؛ بل في الطمأنينة. وفي القدس بعد سنين دخلها عمر بن الخطاب رضي الله عنه بلا موكب ولا حرس ولا استعراض. تناوب الركوب مع غلامه فلما حان دوره في المشي مضى راجلًا والغلام على الدابة.
لم يرَ في ذلك انتقاصًا لأنَّ النفس المستقرّة في التواضع لا تخشى أن يراها الناس بلا زينة السلطة.
هكذا كانت القيادة عندما كانت الأنا خادمة لا سيّدة.
من هذا الضوء تبدأ الحكاية، لا عن أشخاص؛ بل عن داءٍ يتكرّر.
(ومن أنته حتى تُناقشني؟ أصلًا أنته ما تفهم شيء)
هذه ليست عبارة عابرة تُقال في لحظة غضب؛ بل أداة لغوية تُغلق باب الحوار بدل أن تفتح باب الفهم. وحين تُقال يصبح موضوعها الأنا لا المعرفة وتتحوّل من نقاش إلى إلغاء ومن سؤال إلى حكمٍ مُسبق.
وغالبًا ما تظهر حين يضيق صدر الإنسان بالحوار؛ فيُستعاض عن جهد الإقناع براحة الإقصاء. وتختلط المعلومة بالادّعاء، ويتداخل الرأي مع اليقين؛ فتضيع الحدود بين المعرفة والسلطة.
وإذا تُركت الأنا دون رعاية منذ البيت تنمو متضخّمة تبحث عن السيطرة بدل الإصغاء. فالأسرة هي المساحة الأولى لتوازنها. هناك يتعلّم الطفل أن السؤال ليس ضعفًا وأن الإصغاء ليس خسارة وأن النقاش رحلة لا ساحة انتصار. وعندما تنشأ الأنا بهذا التوازن تبقى رفيقًا صامتًا تضبط النفس دون أن تخنق الآخرين.
الأنا المتضخّمة لا تحتاج دائمًا إلى كلمات فظة لتنكشف كثيرًا ما تتخفّى في السلوك، وفي ترتيب الأماكن، وفي انتظار الاعتراف غير المعلن.
وحين يُقاس الإنسان أناه بمقياسه الذاتي يظهر الامتحان بوضوح.
تدخل مجلسًا عامًا لك وجاهة أو موقع اعتاد الناس معه أن يُفسح لك صدر المجلس، هذه المرّة لا يحدث شيء، لا يُنادى اسمك ولا تُسحب إلى الأمام. تجلس حيث يجلس الناس.
هنا اسأل نفسك بصدق: ماذا شعرت؟ هل داهمك ضيقٌ خفي؟ هل تساءلت لماذا لم يُنتبه لي؟ أم جلست بهدوء ورأيت الأمر طبيعيًا بلا وخز؟
هذا الشعور العابر هو ميزان الأنا الحقيقي، لا يراه الناس لكنه يكشف ترتيبك الداخلي. فمن تضخّمت أناه يرى المكانة حقًا ثابتًا لا ظرفًا متغيّرًا ويقرأ عدم التقديم إهانة لا ترتيبًا.
أما من توازن إناؤه الذاتي فلا يهتزّ موقعه حين يتقدّم الآخرون ولا يختلّ وزنه إن عاد إنسانًا عاديًا بين الناس.
وحين تنتقل هذه الأنا من الفرد إلى المؤسسة يتّسع أثرها؛ فالمسؤول لا يُقاس بكمّ المعرفة بل بسعة الإنصات، والمنصب لا يمنح الحكمة، والكرسي لا يعطي العصمة، وحين يضيق صدر القرار بالنقد تتشكّل الأنا بصيغة رسمية؛ فتتقلّص مساحة الحوار وتتّسع مساحة الإغلاق وترتفع النبرة: ما أسمح لك!
في أعلى الهرم.. حيث تُصنع القرارات التي تمسّ حياة الناس لا يصل الواقع دائمًا كما هو، يصل بصورةٍ منتقاة أو مخفّفة. وهناك قد يظنّ صاحب الموقع أن المنصب يرفع القيمة فتنشأ مسافة صامتة بينه وبين الناس؛ فينظر إليهم من موقع أعلى لا من موقع مشاركة.
والمشكلة ليست في الصلاحيات؛ بل في زاوية النظر؛ فالموقع إمّا أن يوسّع الأفق أو يضيّقه.
وحين يُرى السؤال إزعاجًا، ويُفهم الاختلاف تجاوزًا، يسود في الأعلى صمتٌ مريح، لكنه في الأسفل احتقانٌ صامت وإحساس بالاحتقار.
وفي المستويات الأدنى يظهر امتحانٌ أشدّ خفاءً، مسؤولون لا ينطقون العبارة لكنهم يمارسون معناها سلوكًا يوميًا.
مراجعون يقفون عند نقاط تفتيش متتالية، بطاقات تُطلب، أبواب تُغلق، أقفال ذكية تحجب الوصول
يطول الانتظار، تُؤجَّل الردود، وتُنعَّم الحقيقة لا دفاعًا عن المؤسسة؛ بل تحصينًا للمواقع داخلها.
وهنا تُخنق الفكرة ببطء، وتتحوّل الأنا إلى ثقافة صامتة، ويغدو الصواب مخاطرة.
الفهم الحقيقي لا يحتاج ارتفاع صوت؛ بل سعة صدر. والعلم طريق لا محطة انتظار،
كلما سرنا فيه اتّسع الأفق وأدركنا أن المعرفة فضاء لا جدارًا يُكتب عليه اسم شخص.
وقبل أن تُوزَن المسؤولية بالمنصب، وقبل أن يُبرَّر القرار بالقوة، وقبل أن يُغلَق الباب باسم النظام، يجب أن يُطرح السؤال الأصعب: هل ما نفعله يُقوِّم الأنا أم يُضخِّمها؟ هل نُدير الموقع بعقلٍ مفتوح؟ أم نحرسه بأنا خائفة؟
فالمسؤولية أمانة، وليست امتيازًا يُتَّكأ عليه، ولا حصنًا تُغلق به الأبواب؛ هي اختبارٌ يوميّ لقدرة الإنسان على ضبط أناه قبل إدارة غيره، وعلى سماع ما لا يُرضيه قبل اتخاذ ما يُريحه.
والقرار ليس قوّة تُمارَس؛ بل وعيٌ يتحمّل تبعاته، وشهادة على حكمة القلب قبل أن يكون توقيعًا في دفتر السلطة.
فمن فهم موقعه على هذا الميزان، لم يحتج أن يرفع صوته، ولم يخشَ السؤال، وترك أثره بما فتح من عقول، لا بما أغلق من أبواب، ولا بما حمل من ألقاب زائلة.
ويأتي حكم الناس بعد الرحيل، فإمّا ذِكرى طيّبة تقيم في الذاكرة، أو صمتٌ يُنسى، فيغدو نَسيًا منسيًّا.
