الخميس, 13 ديسمبر 2018

مقال : غَضبة المسؤول

الأحد 16 سبتمبر 2018 06:21 م بتوقيت مسقط

حميد السعيدي

الذات هي إحدى المفاهيم المرتبطة بالفرد، ومدى قدرته على التحكُّم في مشاعره في مواقف مُعنية، وهذه الذاتية دائمًا ما نجدها مُتوازنة بين ظهور النرجسية لدى الفرد، ومدى حُبِّه لذاته ورغبته في الظهور على أنه الأفضل من الآخرين، ولكن في المجتمعات الحديثة التي تركز على المنطق والعقل والتفكير التحليلي الذي يعتمدُ على الدليل في تحديد الإنتاجية، أصبحتْ قادرة على اكتشاف القدرات والإمكانيات التي يمتلكها الأفراد دون غيرهم؛ مما حدا بهذه المجتمعات أن تُظهر الكفاءات البشرية، وتسخِّرها في خدمة مجتمعاتها، فأصبحت النرجسية غير قادرة على الظهور في مثل هذه المجتمعات.

وأكد بعض العلماء والمفكرين أنَّ هناك مجموعة من المحدِّدات التي تضبط سلوك الفرد الذاتية؛ ومنها: محددات شخصية مرتبطة بالبناء البيولوجي والنفسي للفرد، ومدى قدرته على التعايش الصحي والنفسي، ومحدد يتعلق بالبيئة التي يعيش فيها؛ وتشمل: البيئة الجغرافية والثقافية والاجتماعية والدينية التي يتعلم منها، ومُحدد مرتبط بالأدوار التي يقوم بها الفرد في المجتمع، ومحدد رابع هو الموقف الذي يتمُّ فيه حدوث السلوك، كل هذه المحدِّدات يتوجب الأخذ بها في بناء الشخصية النموذجية التي يرغب المجتمع بها"، ويؤكد الريس (2002) "أن الضبط الذاتي إنما هو من الأمور المكتسبة التي يكتسبها الفرد من البيئة التي يعيش". فكيف لنا أن نعكس هذا الفكر على فعالية المؤسسات الحكومية وقدرة القيادات على إدارتها نحو استغلال القدرات والإمكانيات البشرية والمادية في تحقيق الأهداف والغايات الوطنية؛ الأمر الذي يدفعنا للحديث عن الأحداث التي شهدتها الساحة الوطنية خلال الفترة الماضية، وما يتعلق بمُؤسستين تعتبران الركن الأساسي بالوطن: التعليم والاقتصاد.

فنمطُ المعيشة اليوم قد تغيَّر عن السابق في ظلِّ التغيرات الاقتصادية؛ مما جعل المواطن شريكاً في الدخل الوطني؛ من خلال مساهمته المباشرة وغير المباشرة في دفع الضرائب؛ لذا من حقه أن يحصل على خدمات ذات جودة عالية، دون أن يقع عليه تحمُّل أخطاء الآخرين، ولا تلك الأخطاء التي تُرتكب في المؤسسات نتيجة لعدم قيام القيادات بدورها الفاعل في إدارتها، فحين يدفع أموال لشراء البترول لسيارته وفقا للتسعيرة العالمية، فينبغي أن يحصل على خدمة ذات جودة عالية وفقا للمواصفات التي يجب أن تكون عليها، أما في حالة أن تسبب له الضرر المادي والجسدي فهو لا ذنب له في ذلك، وعلى مُقدم الخدمة أن يُعوضه وفقا للضرر الذي تعرض له، فهو ليست له علاقة بضعف المؤسسات وإصابتها بالترهل ولا بالصراعات التي تحدث بين المسؤولين، وإنما هو مُوَاطن كفَل له النظام الأساسي للدولة كافة الحقوق التي يحتاجها، وينبغي على المؤسسات أن تقوم بدورها في حمايته وتوفير احتياجاته.

أمَّا الصراعات بين المؤسسات وتخصصاتها، فلا ذنب للمواطن فيها، ولكن كان من الأجدر أن  تحقق هذه المؤسسات التكاملية فيما بينها، بُغية الاستفادة من الخبرات والقدرات البشرية التي تمتلكها، وأن تحقق التعاونية التي هدفها الوطن والمواطن، وكلما كان هناك تعاون واتصال بين المؤسسات في الكشف عن مكامن الخلل والعمل على إصلاحه من جميع المؤسسات، حقق الوطن أعلى درجات الإنجاز والجودة، ولكن أن يغَضب الوزير نتيجة قيام مؤسسة خارج نطاق مسؤولياته بحماية المواطن والدفاع عن حقوقه، فهذا يُسهم في ضياع حقوق المواطنين والتأثير على مدى تحقيقها؛ نتيجة لهذه الاختلافات، والتداخل بين ما أملكه أنا وما تملكه أنت، فأنتم لستم ملوكا في مؤسساتكم، وإنما موظفون وخدم للشعب والوطن، وفقا للتوجيه السامي من حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله ورعاه- عام 1978: "وهناك أمر مهم يجب على جميع المسؤولين في حكومتنا أن يجعلوه نُصب أعينهم، ألا وهو أنهم جميعاً خدم لشعب هذا الوطن العزيز، وعليهم أن يؤدوا هذه الخدمة بكل إخلاص، وأن يتجرَّدوا من جميع الأنانيات، وأن تكون مصلحة الأمة قبل أي مصلحة شخصية، إذ إننا لن نقبل العذر ممن يتهاون في أداء واجبه المطلوب منه في خدمة هذا الوطن ومواطنيه، بل سيَنال جزاء تهاونه بالطريقة التي نراها مناسبة". هذا التوجيه ينبغي أن يكون وسامًا عند مدخل كل مؤسسة، حتى يُدرك كل المسؤولين فيها حقيقة دورهم وواجبهم نحو الوطن.

فعندما يغَضب المسؤول عليه أن يوجه تلك المشاعر نحو مؤسساته ومدى قدرتها على إدارة الاقتصاد الوطني، وتحفيز الاستثمار ومعالجة مشكلاته، وتطوير الأنظمة والقوانين التي تسهم في حركة النمو الاقتصادي، والتشجيع على إقامة المشاريع التي تسهم في رفع مستوى الدخل الوطني، وإيجاد الوظائف والمهن للشباب العُماني، والعمل على جذب الاستثمارات الأجنبية والعملات الأجنبية والتسريع في وتيرة الاستثمار وإنجاز المعاملات وفقا لمتطلبات العصر وحداثته، حينها يكون الغَضب في موقعه ومحله، وسوف نشيد بذلك التصرف فقد كسبوا ثقة جلالة السلطان المعظم.

وفي موقع آخر، عندما يُرسل المواطن ابنه في الصباح من أجل التعلم، فهو مطمئن بأنه سيحصل على التعليم الجيد، والرعاية التي تكفُل له حمايته والحفاظ على سلامته طوال بقائه في تلك المؤسسة، على أن يُعاد للبيت وقد حصل على حقه من التعليم والرعاية والتربية، ولكن أن يعود إليه في تابوت وقد أرفقت به ورقة تعزية نتيجة لخطأ بشري لا ذنب لذلك الطفل فيه، نتيجة الاختناق في وسيلة النقل التي تتبع تلك المؤسسة، فينبغي على المسؤول في هرم تلك المؤسسة أن يغَضب ويبرهن للمواطن على أن هذا الحدث العظيم يدفعه لتحمل المسؤولية. بل يتعبه كل من تسبَّب في حدوث الوفاة لتلك الطفولة البريئة، حينها يدرك المجتمع مدى الثقة التي مُنحت لهؤلاء في إدارة تلك المؤسسات، فلا يمكن تقبُل وفاة الأطفال نتيجة لأي ظرف كان، فتلك الأرواح التي رحلت كل عام نتيجة الاختناق هي أرواح غالية.

... إنَّ رسالة العمل الوطني هي مُعتَقد عميق بالذات يتجسَّد بالقيم والسلوكيات التي تبرهن على مدى ترسخ المواطنة داخل الفرد؛ فمن يمتلك تلك الروح لن تكون المصالح الشخصية حاجزاً أمام تحقيق المصلحة الوطنية العليا، بل يُصبح مثالاً للعمل الوطني نتيجة تحقيق مؤسسته للأهداف والغايات الوطنية التي يرى من خلالها المواطن مدى التغير الإيجابي الذي يحدث للوطن بين فترة وأخرى.

Hm.alsaidi2@gmail.com