ماجد بن علي الهادي
ما يثقل ويرهق النفس غالبًا هو ما يُحفِّزها ويُؤطِّر مكنون صمودها؛ بل ويشحنها بكل ما هو داعم للثبات، الضربات الموجعة تتحدث بلغتها المؤلمة غير المفهومة في حينها مع النفس، ولكن هذه الأخيرة تأبى أن تعي وترفض أن تفك شفرة الوضوح. ليس لشيء وإنما لغياب الإدراك في تلك اللحظة.
فما الذي يحدث؟ ستمور المشاعر في كل فعل ورد فعل، وسيضرب الضباب نوافذ التواصل مع الآخرين، وستتعطل قنوات الانسجام مع كل ما يحيط بالنفس، وسيجد هذا المغلوب على أمره بين ضفاف الاختناق وصعوبة التفسير. ومن خلال هذا الانغلاق النفسي ستبدأ سيول التراكمات تتدفق في مخزونات الأحاسيس. وستشرع لعبة الكر والفر بين العقل والعاطفة من جهة، وبين مهمة التفسير للآخرين من جهة أخرى. وستؤسس لها مكانة في أعماق الفكر وهذه المكانة ستتبلور وستصنع لها طريقا، قد يكون اللاعودة منهجه، لكنه أيضا سيغلق ذاته من تلقاء نفسه بمجرد ما يعي هذا الانسان الواقع الذي هو فيه. أو الإرهاصة التي أرغمته ان يكونها.
كل ذلك مرهون بمدى التعمق الذي وصلت إليه الحالة (الموقف)، والدليل على ذلك بأن الكثير من يحملون على عاتقهم أشباه هذه الإرهاصة، لا يشعر المرء بما يحمله (أعني الطرف الآخر). فكم من مكلوم تجده مبتسمًا وهو يتحدث والنار تتأجج في أعماقه؟ وكم من نار أحرقت الأخضر واليابس من المشاعر لشخص يجلس بجانبك مسترسلًا في أحاديث مسلية ومتداولًا مواقف مضحكة ومُنصِتًا لفكاهات مختلفة؟!
هذا التضاد لا ينفك يتغلغل في النفس أي كان ثبوتها.. هذا التناقض لا يبرأ ولا يستكين ما دام التغلغل المؤلم من موقفا ما لم يعالج.
وأعني هنا بالمعالجة الذاتية.. بالإدراك العاطفي لمعنى (كل شيء وارد في هذه الحياة) ما دمنا نرفل بالأثواب المختلفة من ألبسة مواقف الحياة. هي نقطة قد تكون مهملة لاستصغارها في ذلك الوقت.. هي لحظة قد يُستهان بحجمها في حينه.. همسة قد لا تستشعرها الروح في تلك الهُنيْهَة. لكنها لا تلبث أن تشرب من ماء التجاهل.. وتأكل من غذاء اللامبالاة.. فتنمو.. وتكبر.. وتترعرع.. في كل جوانح الروح، كالخلايا السرطانية، حتى تنتشر وتتوسع وتتفاقم في كل التفاصيل الحسية واللاحسية. بين العقل والروح، بين العاطفة والمنطق، بين الإدراك واللاإدراك. فتبدأ النفسُ الشعورَ بالثقل والوجع، بداية في جزء من مساحة الشعور النفسي. ويبدأ العش في التكوين، يرتسم في شجرة الأحاسيس شيئًا فشيئًا. تساعدها غصون اللامبالاة في الازدهار!! تواكبها انشغالات النفس بأمور أخرى؛ مما يُعزّز من تكوين التأسيس المؤلم.
ولنعي في هذه المرحلة بأن النفس وإن كان هناك ما يؤلمها، لكن في الحقيقة هي تشعر ولا تشعر بذلك الألم، لذلك نرى ذلك الحزين وهو مبتسم، ونلمح ذلك المُقَهْقِهَ يتضاد مع ما يشعر به من ألم وحزن وضيق؛ فيستمرئ التلذذ بكل ما هو متضاد، ويتجاهل كل الأصوات الصادرة من عقله والمتلوثة بضجيج التناقض، بين ما هو عقلاني ومتهور وطائش، بين ما هو حكيم وأحمق.
وبالتالي.. ما النتيجة المتوقعة من المحيطين؟! أحكام مغلوطة وغير صحيحة تطلق على هذا الشخص! تفسيرات خاطئة تتكوم على هذه النفس، تجنب الاحتكاك أو التواصل معها! اشمئزازات بالجُملة تنفخ على شكل بالونات مختلفة الألوان، ترفرف فوق هامة هذه النفس!
ومع تزايد أصناف ردود الفعل المؤلمة، لا ترى النفس من حلول ناجعة إلا الاستسلام لهذا الافتراس المهين (إلا ما رحم ربي)، خاصة في غياب الداعم المنبه، واختفاء الإدراك الموقظ من سبات اللاإحساس. وكما قيل إن أشد أنواع الألم النفسي هو ما لا يدركه الشخص، أي أنه يتألم من الداخل، ولا يعرف خارجه مما يتألمه داخله!
