الخميس, 16 أغسطس 2018

مقال : كفى اعتداءً على الأموات

الأربعاء 09 مايو 2018 07:52 م بتوقيت مسقط

عبدالله العجمي

"اكذب.. اكذب حتى يصدقك الآخرون"، عبارة أطلقها الألماني جوزيف جوبلز (1897-1945م)، والذي يعدُّ أحد أهم مؤسسي ورواد فن الدعاية السياسية ذات اللون الرمادي، ولا تزال هذه العبارة ماثلة أمامنا منذ أن صارت مدخلاً مهمًّا لهذا الفن. وللعلم، فإن جوبلز هذا تولى وليوم واحد فقط منصب مستشار ألمانيا بعد انتحار أدولف هتلر؛ فقد كان من أقرب المقربين له لدوره المهم والنشط في الترويج للفكر النازي؛ إذ كان يتميز بقدرة خطابية باهرة ومقنعة؛ حيث استطاع -في فترة قصيرة- أن يقنع الملايين من الألمان باعتناق هذا الفكر، بعد أن وظف وسائل الإعلام في خدمة هدفه هذا، إذ قدم لهم شخصية هتلر كمخلِّص ومُنقذ لألمانيا وشعبها، كما أنه وبتصرفاته الإقصائية لعب دوراً مهمًّا ودمويًّا، وشكل منعطفاً مهمًّا من منعطفات محاكم التفتيش عبر التاريخ، ما يهُمنا الآن أنه يُعد ظاهرة مهمة، بل عدَّه البعض أسطورة من أساطير الحروب الباردة، وقد أجمع علماء الدعاية بعد استعراض ظاهرته بأن من يملك وسائل الإعلام هو من يملك الكلمة الأقوى في أي حرب أكانت باردة أم ساخنة.

نستحضر عباراته ونتذكر منهجه عندما نُسلسِل لأحداث ومحاولات ممنهجة للعبث بتاريخ لطالما كان ثابتاً ومُصانً.. ولا يعلم من ينتهج نهج جوبلز أن هذا التحريف المتعمَّد لوقائع تاريخية يُفضي ويوحي بوجود ذهنية انغلاقية خلفه، ولا تعرف هذه الذهنية ماذا يعني قدسية التاريخ، وبالتالي تنزلق لا إراديًّا إلى مستنقعات التخلف والجهل، وسيلعنها اللاحقون لجُرأتها هذه.. وما اكتشاف بعض الدول وجود آثار مسروقة تُعرض في معرض تم افتتاحه مؤخراً، وبدء تحقيقات في هذا الشأن؛ إلا حلقة من حلقات هذا المسلسل.

كُنت في السابق أربأ بنفسي عن الدخول في هكذا مهاترات، فالتغافل -كما قيل- تسعة أعشار الحكمة، والكل يعلم أن الحديث في هذا الشأن لا ينتهي، وكم كنت موقنا بأن تناول مثل هذه المواضيع هو إهانة لبلدي قبل كل شيء، خاصة وأن هناك فئة  كانت تبرِّر وتعلِّل ما يحدث بقولها إنَّ تاريخ السلطنة أصبح إرثاً يتقاسمه كل من يسكن في أرض كانت عُمانية، ولهم كل الحق بالتفاخر بهذا الإرث، ومن الأمثلة التي يُستشهد بها في هذا السياق أنه حين ينفصل ابن عن بيت أبيه؛ فهذا لا يعني أن يُحرم من تقاسم الإرث لاحقاً، لكني أقول: هل يستطيع هذا الابن أن يغيِّر اسم أبيه أو يحذفه؟ وهل يستطيع الابن أن ينسب إنجازات ومجد أبيه إليه؟ طبعاً لا يمكنه ذلك حتما، فالإرث يُطلق عليه أنه إرث فلان (أي الأب)، ويشار إليه بهذه الصفة عند نقل ملكيته، وكذلك اسم الأب، فإنه أول ما يذكر بعد اسم الابن في كل الوثائق والمستندات، إلا إذا كان هذا الابن متنكراً لأصله، وهذا شأن آخر له دلالات لا مجال لذكرها، فالمتنكِّر لماضيه وأصله كمن هو تائه بلا هُوية، والعاق لن تعصمه جبال أبيه إن أتى الطوفان يوماً.

إنَّ مسؤولية الذَّود عن هذا التاريخ مسؤولية كل مواطن يعيش على أرض هذا الوطن، وكل منا مسؤول حسب موقعه وموضعه، وهو خير سفير لبلده أينما ذهب، وهو واجب نحو الماضي تجاه الحاضر من أجل المستقبل، وإن أول ما يمكن أن نستفيده من إبراز هذه الشخصيات هو التواضع، فلو دُرس التاريخ من قِبل مزوريه بتمعن لما أصابهم الغرور، ولأدركوا من خلال الأحداث التي يكررها التاريخ أن حبل الكذب قصير.

وبالمقابل، ينبغي أن تُعد الخطط في الداخل لتلافي مثل هذا التزويرات لاحقاً؛ كتضمينها في المهرجانات والمعارض والمتاحف لكي لا نصل إلى مرحلة نطالب فيه بفحوصات DNA، وإن الاهتمام بهذا الأمر هو أولى خطوات الوفاء والبر والاحترام للآباء والأجداد، وكما أن إنقاذ التائه في الصحراء صدقة جارية لا ينبغي تجاهلها، كذلك فإن علاج انفصام شخصية البعض بها أجر عظيم لا ينبغي تجاهله، وها هي الانطلاقة قد أطلقها معالي عبدالعزيز بن محمد الرواس مستشار جلالة السلطان للشؤون الثقافية، حين قال: "كفى اعتداءً على الأموات".