عُمان.. حين تنتصر الحكمة على ضجيج السياسة

 

 

 

ناصر بن حمد العبري

في توقيت أصبحت فيه التصريحات المثيرة للجدل مادة يومية تتصدر العناوين وتستهلك طاقة الإعلام والرأي العام، تواصل سلطنة عُمان تقديم نموذج سياسي مغاير. عنوانه الحكمة، وجوهره الاتزان. نهج يقوم على قناعة راسخة بأن قوة الدول لا تُقاس بارتفاع الصوت، بل بقدرتها على صناعة الاستقرار وحماية المصالح الوطنية بعقلانية وبعد نظر.

ومنذ عقود والسلطنة تتعامل مع المتغيرات الإقليمية والدولية بثقة وثبات. لا تجرفها ردود الأفعال المتسرعة، ولا تستدرجها الانفعالات اللحظية التي قد تربح جولة إعلامية وتخسر موقفًا استراتيجيًا. من هنا نفهم لماذا لا يرى النهج العُماني في كل تصريح ضاجٍ قضية تستحق المواجهة أو السجال. بل يزن الأمور بميزان المصلحة الوطنية أولًا، ويضعها في سياق حسابات بعيدة المدى لا تقاس بتأثير اللحظة.

الحكمة السياسية التي تنتهجها الحكومة العُمانية ليست وليدة ظرف أو أزمة. هي امتداد لمدرسة دبلوماسية عريقة رسخت مكانة السلطنة كصوت للعقل والتوازن في منطقة شهدت وما زالت تشهد تحولات عاصفة. بينما اختارت أطراف كثيرة الانخراط في معارك التصريحات والمواقف المتشنجة، اختارت عُمان أن تجعل من الحوار الهادئ والاحترام المتبادل أدواتها الأساسية في إدارة علاقاتها الخارجية. فكسبت بذلك ثقة الجميع، وغدت جسرًا للتواصل حين تضيق قنوات التفاهم.

وأهم ما يميز هذا النهج إدراكه العميق لحقيقة ثابتة في عالم السياسة: التصريحات العابرة مهما أثارت ضجيجًا فإن أثرها يتلاشى مع الزمن. أما المواقف الحكيمة والسياسات الرشيدة فهي التي تصنع التاريخ وتحفظ للدول مكانتها وهيبتها. لذلك لم تكن عُمان يومًا أسيرة رد الفعل، بل كانت دائمًا صاحبة مبادرة ورؤية، تنظر خلف ضجيج المنصات إلى ما يخدم أمنها واستقرارها ومصالح شعبها على المدى الطويل.

والثقة التي تحظى بها السلطنة إقليميًا ودوليًا لم تأتِ من فراغ. هي نتاج سجل طويل من المصداقية والاعتدال والقدرة على بناء الجسور بين الأطراف المتنازعة. مكانة لم تُبنَ بالشعارات أو بالمواقف الانفعالية، وإنما بالصبر وحسن التقدير والعمل الدؤوب خلف الكواليس. فالدبلوماسية العُمانية تؤمن بأن الإنجاز الحقي يُقاس بالنتائج لا بالعناوين.

وفي عالم تتبدل فيه المواقف بسرعة، وتتصاعد فيه الخطابات الشعبوية على حساب لغة العقل، تظل عُمان متمسكة بنهجها الراسخ. مؤمنة بأن الحكمة ليست خيارًا تكتيكيًا مرحليًا، بل قيمة وطنية واستراتيجية سياسية أثبتت نجاحها عبر العقود. وبينما يعلو ضجيج التصريحات ثم يخفت، يبقى النهج العُماني شاهدًا على أن الدول الكبرى تُقاس بمواقفها لا بأصواتها، وبحكمتها لا بانفعالاتها.

هكذا هي سلطنة عُمان: وطن يراهن على العقل حين يراهن الآخرون على الضجيج!

الأكثر قراءة

z