إزالة الصورة من الطباعة

من يحاسب المسؤول إذا أخطأ؟!

 

سيف بن سالم المعمري

 لقد كان الإنسان العُماني ولايزال أساس التنمية الحقيقية وحجر الزاوية في بناء الدولة العصرية، ولقد حظي العنصر البشري بالاهتمام السامي لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم-حفظه الله ورعاه-، فهيئت للإنسان العماني فرص التعليم والتدريب والتأهيل، وكسب المعرفة المفيدة والخبرة المطلوبة والمهارات الفنية اللازمة التي يتطلبها سوق العمل وتحتاج إليها برامج التنمية المستدامة في ميادينها المتنوعة.

ومع اكتمال أركان البناء في الدولة العصرية، أضحى الحفاظ على مُنجزات الوطن وتنمية قطاعاته مسؤولية مشتركة لا يعفى أحد منها، لذا كان لزامًا على المنتسبين للمؤسسات الحكومية بمُختلف القطاعات أن يعي كل واحد منهم حجم الأمانة الملقاة على عاتقه في أدائه لواجباته، تجاه نفسه ووطنه والمواطنين والمقيمين على أرض السلطنة.

إنَّ ما يغفل عنه البعض ممن ولوا مسؤولية في إحدى مؤسسات الدولة أنَّهم بعيدون عن الرقابة والمُحاسبة، ويعتقدون بأنَّ ما يتخذونه من قرارات أو إجراءات خاطئة مُتعمدة أو غير متعمدة، وإن تعطيلهم لمصالح المواطنين والمُقيمين، والبطء المتعمد في معاملاتهم، وإنجازها بسرعة لمن تربطه بهم علاقات شخصية؛ لن تطالهم جراءها المحاسبة؛ وإن حجتهم التي ينفدون بها إلى بر الأمان – إن وجدت المحاسبة- إن ما أقدموا عليه جاء نتيجة لسلطتهم التقديرية في نظر القانون، بينما إن ثبت الخطأ على صغار الموظفين لا يعفون من المحاسبة والعقوبة.

ولقد أكد جلالته – حفظه الله ورعاه- في كلمته أمام مجلس عُمان عام 2008 قائلا: " .. لما كان الأداء الحكومي يعتمد في إرساء وترسيخ قواعد التنمية المستدامة على القائمين به والمشرفين عليه فإنَّ في ذلك دلالة واضحة على مدى المسؤولية الجسيمة المنوطة بالموظفين الذين يديرون عجلة العمل في مختلف القطاعات الحكومية، فإن هم أدوا واجباتهم بأمانة وبروح من المسؤولية بعيداً عن المصالح الشخصية سعدوا وسعدت البلاد، أما إذا انحرفوا عن النهج القويم، واعتبروا الوظيفة فرصة لتحقيق المكاسب الذاتية، وسلما للنفوذ والسلطة، وتقاعسوا عن أداء الخدمة كما يجب وبكل إخلاص وأمانة، فإنهم يكونون بذلك قد وقعوا في المحظور، ولا بد عندئذ من محاسبتهم واتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة؛ لردعهم، وفقًا لمبادئ العدل الذي أرسينا عليه دعائم الحكم والتي تقتضي منِّا عدم السماح لأي كان بالتطاول على النظام والقانون أو التأثير بشكل غير مشروع على منافع الناس التي كفلتها الدولة ومصالح المُجتمع التي ضمنها الشرع وأيدتها الأنظمة والقوانين، ومن ثم فإننا نؤكد على أن تطبيق العدالة أمر لا مناص منه ولا محيد عنه وأن أجهزتنا الرقابية ساهرة على أداء مهامها والقيام بمسؤولياتها بما يحفظ مقدرات الوطن ويصون منجزاته".

إنَّ الأخطاء المتكررة التي يرتكبها عدد من المسؤولين تؤثر بشكل مباشر على الأداء الحكومي في المؤسسة من حيث كفاءة الموظفين، والتي تمتد لتؤثر على إنتاجية المؤسسة، وتتعطل معها مصالح المُواطنين والمُقيمين، ومع تمادي تلك الأخطاء تتحول المؤسسة العامة إلى أشبه ما تكون كمؤسسة خاصة، تُدار لمصالح أشخاص معينين، والتي يتعارف عليه بين الموظفين بـ"الشللية"، ويحدث ذلك تحت ضوء النهار، ولا تجد من يأخذ بيد تلك المؤسسة إلى جادة الحق والصواب.

ومع التوسع الجغرافي لجهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة في سائر مُحافظات السلطنة يرجو المواطن الغيور على وطنه أن يتوقف هدر الطاقات، وضياع الأموال العامة تحت من ولي مسؤوليتها ولم يكن جديرًا بحمل الأمانة والمسؤولية.

إن مبدأ حسن النية لا يمكن أن يكون ناجعاً لكبح جماح الفساد الإداري في الدولة، فالسلطة التقديرية التي يمتطيها المسؤولون يجب أن تحكمها ضوابط وأسس موضوعية، وأساس ذلك الحيادية المطلقة التي لا يُمكن أن تتحقق إلا بشراكة تكاملية بين عدة جهات كالمجلس الأعلى للتخطيط وجهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة وبقية مؤسسات الدولة.

المواطن يُمني النفس في أن يستثمر جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة مبدأ الشراكة المؤسسية بالمجتمعية لتحقيق المصلحة العليا للوطن، وأن يقف الجهاز بالمرصاد لكل القرارات والإجراءات التي يتخذها المسؤولون بالمؤسسات، وأن تكون هناك جهة تعالج أي إجراءات أو قرارات خاطئة يتخذها المسؤولون في تلك المؤسسات، على أن يحاسب المسؤول عن خطئه.

فمن يدلف على قاعات محكمة القضاء الإداري يلحظ عن قرب تصدر جهات معينة في الدولة للقضايا المرفوعة عليها من قبل الموظفين، بل تجد الكثير من تلك القضايا في صالح الموظفين، مما يثبت على أنّها مؤشر على خلل ما في المؤسسة حان الوقت لعلاجه، ومع ذلك يتمادى المسؤولون في أخطائهم ولا يجدون من يقف بحزم أمام تعسفاتهم، وفي ذات الوقت لا يكترث المسؤولون لخسارة تلك القضايا؛ لأن أي ضرر مادي أو نفسي تقرره المحكمة للموظفين تتحمله المؤسسة، ولا يُؤثر ذلك على المسؤول الذي تسبب فيه.

إن الوقت أصبح ملحاً أكثر من أي وقت مضى لتشديد الرقابة على أداء المسؤولين في الدولة، وإن حالات التذمر من قبل الموظفين والمُراجعين على أداء المؤسسات يعد مؤشرًا على عدم الالتزام بالقانون، وإنه لا سبيل لضبطه إلا بمحاسبة المسؤول الذي يخطئ.

فبوركت الأيادي المخلصة التي تبني عُمان بصمت.

[email protected]