سُلطان بن خلفان اليحيائي
الصدق ركنٌ متين من أركان الأخلاق، وفضيلة لا تستقيم حياة الإنسان ولا تستقر المجتمعات دونها. وقد تجلّت هذه القيمة في سيرة نبينا محمد صلّى الله عليه وسلّم الذي عُرف بين قومه قبل البعثة بالصادق الأمين، فكان صدقه محل ثقة واحترام حتى ممن خالفوه بعد ذلك.
وليس الصدق مجرد كلمة تُقال، بل هو موقف وسلوك ومسؤولية. فقد يخسر الإنسان موقفًا لأنه قال الحقيقة، لكنه لا يخسر نفسه. وقد ينجو بالكذب من عتاب مؤقت، لكنه يضع ثقته بنفسه واحترام الآخرين له على المحك.
ومع ذلك نرى من يتجنب الحقيقة خشية الحرج ومن يختلق الأعذار هربًا من المسؤولية، ومن يجمّل الخطأ بدل الاعتراف به. حتى صار قول الحقيقة في بعض المواقف يحتاج إلى شجاعة مع أنه ينبغي أن يكون أمرًا طبيعيًا في سلوك الإنسان. فكيف نبني مجتمعًا تسوده الثقة إذا لم نؤسس لهذه القيمة في بيوتنا ونغرسها في نفوس أطفالنا ونجعلها نهجًا في مدارسنا ومؤسساتنا؟
إن جذر الصدق لا يبدأ في المكاتب ولا في المحاكم ولا في الأسواق، بل يبدأ في البيت.
يبدأ من طفل يرى الصدق في سلوك والديه قبل أن يسمعه في نصائحهما ومن "أب" و " أم" لا يتخذان الكذب وسيلة للخروج من موقف محرج ولا يترددان في الاعتراف بالخطأ أمام أبنائهما. فالطفل يتعلم مما يراه أكثر مما يتعلم مما يُقال له.
ومن هنا تأتي مسؤولية الأسرة في غرس احترام الكلمة والحقيقة في نفوس أبنائها، وتعليمهم أن الاعتراف بالخطأ ليس هزيمة، وأن قول "لا أعرف" ليس نقصًا وأن الصراحة لا تعني القسوة وأن مراعاة مشاعر الآخرين لا تستدعي الكذب.
ثم تأتي المدرسة لتكمل ما بدأته الأسرة، فالمعلّم الصادق في تقييم طلابه والإدارة التي تتعامل بوضوح، والبيئة التعليمية التي لا تتسامح مع الغش، كلها تسهم في بناء شخصية تحترم الحقيقة. فالناشئ ينبغي أن يدرك أن النجاح القائم على الخداع ليس نجاحًا حقيقيًا وأن القسم ليس وسيلة نلجأ إليها في كل مرة لإثبات صدق الكلام حتى لا تصبح عبارة "احلف" ردًّا تلقائيًا كلما سمع قولًا لا يصدقه؛ فالصدق قيمة تُغرس بالممارسة، وتترسخ بالقدوة قبل التوجيه.
ولا يمكن إغفال أثر الإعلام وما يُعرض عبر الشاشات في تشكيل سلوك الناشئة. فقد أسهمت بعض المسلسلات والأفلام، حتى في أعمالها الكلاسيكية في تقديم الكذب والمراوغة أحيانًا على أنهما وسيلتان للذكاء والنجاة من المواقف أو طريق مختصر لتحقيق المكاسب. وفي أيامنا هذه اتسع التأثير مع وسائل التواصل الاجتماعي حيث تنتشر المقاطع المفبركة والمعلومات المضللة وتُصنع أحيانًا صور زائفة للواقع ويجد الناشئ نفسه أمام نماذج تخلط بين الحقيقة والادعاء.
وهنا تتضاعف مسؤولية الأسرة والمدرسة والإعلام في تنمية الوعي والتمييز بين ما يُعرض وما ينبغي تصديقه، حتى لا تصبح الممارسات الخاطئة سلوكًا مألوفًا تتناقله الأجيال.
ثم تتسع الدائرة لتشمل المجتمع ومؤسساته حكومية كانت أم خاصة؛ فالمسؤول هو أول من يضع معيار الصدق داخل المؤسسة. فإذا كان واضحًا في قراراته وأمينًا في حديثه لا يخفي الخطأ ولا يتهرب من الحقيقة، انعكس ذلك على المدير والموظف. أما إذا كان لا يريد أن يسمع إلا ما يرضيه، ويضيق بمن ينقل إليه الحقيقة، فإنه يرسّخ أن إخفاء الحقيقة أكثر أمانًا من قولها.
والمؤسسة لا تتعلم الصدق من لوائحها وحدها، بل من سلوك مسؤوليها. وما يسمح به المسؤول لنفسه اليوم قد يصبح سلوكًا يعتاده موظفوه غدًا.
وقد يحدث أن يكتب مدير في تقريره عن موظف توصية بترقيته أو إلحاقه بدورة تأهيلية ويقرأ عليه ما كتبه، فيخرج الموظف مطمئنًا، ثم يفاجأ بأن المدير يتواصل هاتفيًا مع الجهة المعنية طالبًا عدم الأخذ بتلك التوصية. فأي صدق هذا الذي يظهر في الورق ويغيب في الموقف؟
إن مثل هذه التصرفات تهز الثقة في المسؤول ومصداقية التقارير الإدارية.
فالصدق لا يُقاس بما نكتبه فقط، بل بما نلتزم به ونعمل بمقتضاه؛ فالمدير الناجح ليس من يسمع ما يسره، وإنما من يفتح الباب أمام ما يحتاج إلى معرفته. لا يريد تقريرًا جميلًا يخفي الخلل؛ بل موظفًا يستطيع أن يقول: هنا أخطأنا، وهنا قصّرنا، وهنا نحتاج إلى مراجعة.
وعندما يشعر الموظف أن الصدق لا يهدد مكانته أو علاقته برئيسه، يصبح الاعتراف بالخطأ طريقًا إلى الإصلاح. فالمؤسسة التي تتيح لموظفيها قول الحقيقة تكون أقدر على معالجة الأخطاء قبل أن تتفاقم.
ويمتد أثر ذلك إلى المواطن الذي يريد معلومة صحيحة وإجراءً واضحًا وموعدًا واقعيًا. وقد لا تعجبه النتيجة، لكنه يستطيع تفهّمها إذا عرف الحقيقة. أما الوعد الذي لا يتحقق، والمعلومة التي تختلف من موظف إلى آخر، والتبرير الذي يتغير مع كل مراجعة، فكلها تصنع شيئًا أخطر من تأخر المعاملة: تصنع الشك. ولهذا فالصدق الإداري جزء من جودة الخدمة ومكانة المؤسسة. فالمؤسسة التي تقول للمواطن "لا نستطيع الآن" بصدق أكثر احترامًا من مؤسسة تعده بما لا تستطيع الوفاء به. والاعتراف بالخطأ لا يضعف مكانتها، بل يمنحها فرصة لاستعادة ثقة الناس.
والصدق لا يقف عند حدود الكلام؛ فقد يكون الإنسان صادقًا في قوله لكنه لا يلتزم بما يقول أو يعد ثم لا يفي أو ينسب إلى نفسه ما أنجزه غيره، أو يخفي تقصيره خلف الأعذار. لذلك يشمل الصدق القول والوعد والعمل وتحمّل المسؤولية.
وأعمق صوره أن يكون الإنسان صادقًا مع نفسه؛ يعرف قدراته وحدوده ويعترف بجهله عندما لا يعلم وبخطئه عندما يخطئ وبقصوره عندما يقصّر. فمن يخدع نفسه لن يستطيع طويلًا أن يكون صادقًا مع الآخرين.
وعندما يصبح الصدق سلوكًا عامًا، تترسخ الثقة في الأسرة والصداقة والعمل وتقل الحاجة إلى الشك والمراقبة.
أما عندما يصبح الكذب وسيلة للنجاة، فإن الثقة تتآكل ويخسر المجتمع أحد أهم أسباب تماسكه.
ولذلك قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (التوبة: 119)؛ فالصدق ليس مجرد أن تقول الحقيقة، وليس مطلوبًا من الإنسان أن يقول كل ما يعرف، لكن الكذب لا ينبغي أن يصبح وسيلة سهلة لتجنب الحرج أو الهروب من المسؤولية.
ولعلنا اليوم بحاجة إلى مراجعة سلوكياتنا اليومية والبدء من أبسط الكلمات التي نزرعها في ألسنة أطفالنا وأذهانهم: الصدق أولًا.
أن نعلّمهم أن للكلمة الصادقة قيمة بذاتها وأن الإنسان لا يحتاج في كل مرة إلى أن يقول «إحلف!» حتى نصدقه؛ فالصدق يبدأ بكلمة صغيرة في بيت صغير، لكنه إذا ترسّخ في الإنسان كبر معه وانتقل من فرد إلى أسرة، ومن أسرة إلى مؤسسة، ومن مؤسسة إلى مجتمع.
وعندها لا نكون قد ربّينا طفلًا صادقًا فحسب، بل أسهمنا في بناء إنسان يحفظ كرامته، وأسرة تقوم على الثقة ومؤسسة تصون سمعتها، ومجتمع يرتقي بالصدق.
الصدق أولًا.. لأنه يحفظ للإنسان كرامته وللأسرة ثقتها وللمؤسسة هيبتها وللمجتمع تماسكه. وبدونه قد تستقيم المصالح زمنًا، لكن الثقة التي تقوم عليها الحياة لا تستقيم.
