خالد بن سالم الغساني
منذ تولّي حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- مقاليد الحكم في يناير 2020، شهدت السياسة الخارجية العُمانية حراكًا متزايدًا، حافظ على الثوابت التي أرساها السلطان قابوس بن سعيد- طيب الله ثراه- مع تطور في أدوات العمل الدبلوماسي، واتساع دوائر العلاقات الدولية، وتنامي الاهتمام بالمصالح الاقتصادية والاستثمارية.
وتكشف الزيارات السلطانية إلى عدد من العواصم العربية والآسيوية والأوروبية والأفريقية، وما قابلها من زيارات لقادة تلك الدول إلى سلطنة عُمان، عن توجّهٍ نحو بناء شبكة أوسع من العلاقات والشراكات، في عالم تتغير فيه موازين القوة، وتشتد المنافسة على الأسواق والموارد والتكنولوجيا والممرات التجارية.
وقد بدأ هذا التحرك في ظروف اقتصادية صعبة، زادت من تعقيدها جائحة كورونا، قبل أن تكتسب الزيارات السلطانية زخمًا متصاعدًا منذ عام 2021، حين اختار جلالة السلطان المملكة العربية السعودية وجهة لأول زيارة دولة خارجية. وكان لهذا الاختيار دلالته في تأكيد أولوية المحيط الخليجي وتعزيز التعاون مع الرياض، مع المحافظة على استقلال الموقف العُماني الذي ظل سمة أساسية في علاقات سلطنة عُمان الإقليمية.
وامتد هذا التوجه إلى بقية دول مجلس التعاون الخليجي، بالتوازي مع المحافظة على قنوات التواصل مع مختلف الأطراف الإقليمية. وفي هذا السياق، جاءت زيارة إيران في مايو 2023، وما أعقبها من استقبال الرئيس الإيراني في مسقط عام 2025، تأكيدًا لنهج يرى في الحوار ضرورة للأمن الإقليمي، ولا سيما في منطقة يرتبط استقرارها بأمن مضيق هرمز والملاحة البحرية وتدفقات الطاقة.
وفي الوقت نفسه، عكست الزيارات إلى مصر والأردن والجزائر حرص سلطنة عُمان على تعزيز حضورها العربي، والمحافظة على علاقات متوازنة مع القوى الإقليمية، بعيدًا عن الاستقطابات والمحاور.
غير أن إحدى أبرز سمات هذه المرحلة تتمثل في اتساع المجال الجغرافي للتحرك الدبلوماسي، ليشمل دولًا لم تكن تحتل الموقع نفسه في شبكة العلاقات العُمانية التقليدية؛ فقد عكست زيارتا الهند وسنغافورة اهتمامًا بتعزيز العلاقات مع الاقتصادات الآسيوية، والاستفادة من خبراتها في الصناعة والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية. وجاءت الزيارات إلى ألمانيا وبلجيكا وهولندا وإسبانيا لتفتح مجالات أوسع للتعاون في الطاقة المتجددة والصناعة والموانئ والاستثمار ونقل المعرفة.
وفي اتجاه آخر، حملت الزيارات إلى روسيا وبيلاروس دلالات تتصل بتنويع الشراكات والمحافظة على علاقات مع قوى تختلف مواقعها في التوازنات الدولية، انسجامًا مع النهج العُماني القائم على الانفتاح والتوازن واستقلال القرار.
أما زيارة كازاخستان في أكتوبر 2026، فقد مثّلت امتدادًا لهذا التوجه نحو آسيا الوسطى، بما تتيحه المنطقة من فرص في الطاقة والمعادن والنقل والتجارة. وتبرز هنا إمكانات الاستفادة من الموقع البحري العُماني وموانئه في تطوير روابط تجارية مع دول حبيسة تسعى إلى الوصول إلى الأسواق العالمية.
ويكتسب الانفتاح على أفريقيا أهمية خاصة؛ فالعلاقات العُمانية مع شرق القارة تستند إلى إرث تاريخي طويل، تجسده الروابط مع زنجبار وتنزانيا، غير أن التحرك الراهن يتجاوز هذا الامتداد التقليدي إلى دول مثل رواندا وبوتسوانا وأنجولا، بما تمتلكه من موارد وفرص للتعاون في الاستثمار والطاقة والتعدين والزراعة والخدمات اللوجستية.
وتشير هذه الحركة إلى أن أفريقيا لم تعد حاضرة في الدبلوماسية العُمانية من بوابة التاريخ وحده، بل باعتبارها مجالًا اقتصاديًا واستراتيجيًا واعدًا لبناء شراكات معاصرة تقوم على المصالح المتبادلة.
كما تعكس الزيارات المتبادلة مع قادة الدول، وما شهدته كل من مسقط وصلالة من استقبال رؤساء وقادة من مناطق مختلفة، اتساع شبكة التواصل السياسي، وتعزيز مكانة سلطنة عُمان طرفًا قادرًا على الاحتفاظ بعلاقات مع دول تتباين مصالحها ومواقفها.
وتأتي زيارة المملكة المتحدة الأخيرة، لتؤكد أن الانفتاح على مجالات جديدة يترافق مع تطوير الشراكات التاريخية، وتوسيع مضامينها الاقتصادية والتكنولوجية والاستثمارية، بما يتناسب مع التحولات التي شهدتها سلطنة عُمان والعالم.
وإذا جُمعت هذه التحركات في إطار واحد، أمكن القول إن السياسة الخارجية العُمانية تتجه إلى توظيف رصيدها الدبلوماسي في بناء شبكة أكثر تنوعًا من العلاقات والمصالح، مع حضور متزايد للدبلوماسية الاقتصادية، انسجامًا مع متطلبات التنويع الاقتصادي وأهداف رؤية عُمان 2040.
وتتجلى أهمية هذا التوجه في ما يتيحه من فرص لتعزيز القدرات الإنتاجية، وتوطين التكنولوجيا، وتطوير الصادرات غير النفطية، وتوفير فرص العمل للمواطنين. ويتطلب تحقيق هذه الغايات تكاملًا بين مؤسسات السياسة الخارجية والاستثمار والتجارة والصناعة والتعليم والتشغيل، بما يسهم في ترجمة الشراكات الدولية إلى مشروعات اقتصادية تدعم التنمية الوطنية.
ومن الناحية السياسية، يمنح تنويع الشراكات سلطنة عُمان مجالًا أوسع للحركة واستقلال القرار، في عالم يتزايد فيه التنافس بين القوى الكبرى، ويجعل من إدارة العلاقات المتوازنة عنصرًا أساسيًا في حماية المصالح الوطنية.
وهنا تبرز قيمة الرصيد الذي راكمته الدبلوماسية العُمانية عبر عقود، من خلال استقلال الموقف، وتغليب الحوار، والابتعاد عن سياسات المحاور، والاحتفاظ بقنوات التواصل مع الأطراف المتخاصمة. وهو رصيد أتاح لسلطنة عُمان أداء أدوار مهمة في تيسير الحوار وخفض التوتر، ولا سيما في الملفات الإقليمية الحساسة.
ولعل أبرز ما تكشف عنه هذه المرحلة هو اتساع آفاق الدبلوماسية العُمانية، التي تواصل تطورها استنادًا إلى مبادئ راسخة وتجربة ممتدة، مستفيدة من رصيدها السياسي في توسيع شبكة علاقاتها الدولية، وتعزيز شراكاتها الاقتصادية والاستراتيجية، بما يواكب التحولات العالمية ومتطلبات التنمية الوطنية.
لقد راكمت الدبلوماسية العُمانية عبر عقود رصيدًا من الثقة والاحترام، أتاح لها حضورًا دوليًا متميزًا وقدرة على بناء علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف. ويمنحها هذا الرصيد اليوم فرصًا أوسع لتعزيز مصالحها، وتطوير اقتصادها، والاستفادة من مجالات التعاون والاستثمار والتكنولوجيا، بما يدعم مسيرة التنمية ويعزز استقلال القرار الوطني؛ فالقيمة الحقيقية للحضور الدبلوماسي بقدر ما تكمن في اتساع شبكة العلاقات الدولية، فإنها تتجلى في ما تتيحه هذه العلاقات من فرص تعزز قوة الدولة، وتدعم اقتصادها، وتفتح آفاقًا أرحب لمستقبلها.
