خالد بن سالم الغساني
القدس أرض عربية ضاربة في عمق التاريخ، عربية في هويتها الحضارية والثقافية، وفي انتمائها السكاني المتجذر، ومقدسة في الوجدان الإسلامي والمسيحي. تعاقبت عليها الحضارات منذ العصور الكنعانية، وترسخ طابعها العربي الإسلامي منذ الفتح العربي في القرن السابع الميلادي، وظلت عبر القرون مركزًا دينيًا وحضاريًا وثقافيًا، تتداخل في عمرانها وذاكرتها ملامح التاريخ العربي والإسلامي والمسيحي.
ولا يلغي هذا التاريخ ما للقدس من مكانة دينية لدى اليهود، لكنه لا يمنح الحركة الصهيونية حق تحويل الارتباط الديني إلى سيادة سياسية حصرية، ولا يجيز اقتلاع شعب من أرضه، أو محو هويته، أو مصادرة حقوقه باسم روايات تاريخية وعقائدية. فالحقوق الوطنية لا تُكتسب بالوعود، والسيادة لا تُنتزع بالقوة، والتاريخ لا يصبح ملكًا لمن يمتلك القدرة على إعادة كتابته.
ومنذ نشأة المشروع الصهيوني، احتلت القدس موقعًا مركزيًا في أطماعه التوسعية، لا بوصفها رمزًا دينيًا فحسب، بل باعتبار السيطرة عليها مدخلًا لإعادة تشكيل هوية فلسطين وتاريخها. ومع احتلال الجزء الغربي من المدينة عام 1948، ثم احتلال شطرها الشرقي عام 1967، انتقلت هذه الأطماع إلى مشروع استيطاني منظم، يستهدف تغيير البنية السكانية والعمرانية والثقافية للمدينة، وفرض واقع يجعل الوجود الفلسطيني فيها محاصرًا ومهددًا بالتآكل.
ولم تقتصر سياسة الاحتلال على الاستيلاء على الأرض وإقامة المستوطنات، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية للفلسطينيين. فقد صودرت الأراضي، وهُدمت المنازل، وفُرضت القيود على البناء والإقامة والتنقل، وسُحبت حقوق الإقامة من آلاف المقدسيين، وأُخضعت الأحياء العربية لسياسات تخطيطية وإدارية تحدّ من نموها الطبيعي، بينما تتوسع المستوطنات الإسرائيلية على حسابها. كما تعرضت المؤسسات الفلسطينية للإغلاق والتضييق، وفُرضت قيود على النشاط السياسي والثقافي، وعلى وصول الفلسطينيين إلى أماكن عبادتهم، في محاولة لإضعاف ارتباط السكان بمدينتهم ودفعهم إلى الرحيل.
وهذه الممارسات ليست إجراءات أمنية متفرقة، بل هي حلقات مترابطة في سياسة تهويد ممنهجة، تستخدم أدوات القانون والإدارة والتخطيط العمراني إلى جانب القوة العسكرية. فمن تغيير أسماء المواقع والشوارع، وإعادة تشكيل المناهج والرواية التاريخية، إلى توسيع الحدود البلدية وفرض التشريعات الإسرائيلية، يجري العمل على طمس الهوية العربية للقدس، وتحويل سكانها الفلسطينيين من أصحاب أرض وحقوق أصيلة إلى أقلية محاصرة في مدينتها.
وتتجلى خطورة هذه السياسة في محيط المسجد الأقصى والبلدة القديمة، حيث تتصاعد الاقتحامات والاستفزازات والقيود المفروضة على المصلين، وتتداخل المشاريع الاستيطانية مع محاولات تغيير الطابع التاريخي والديني والعمراني للمكان. فالاستهداف هنا بالتحديد لا يقتصر على الأرض والمباني، وإنما يمتد إلى الذاكرة والرموز والمقدسات، في مسعى لإعادة صياغة هوية المدينة وفق الرواية الصهيونية، وإقصاء روايتها العربية الفلسطينية.
وقد سعت إسرائيل إلى إضفاء غطاء تشريعي على هذه السياسات، فأعلنت عام 1980 القدس، الكاملة والموحدة عاصمة لها، في استمرار التحدي لقواعد القانون الدولي. غير أن مجلس الأمن، في قراره رقم 478، رفض الإجراءات الرامية إلى تغيير وضع المدينة، مؤكدًا عدم مشروعيتها. كما أعادت محكمة العدل الدولية، في يوليو 2024، تأكيد عدم مشروعية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية.
ومع ذلك، لم تتوقف محاولات تحويل الاحتلال إلى سيادة معترف بها، مستندة إلى الوعود السياسية والتحالفات الدولية. وكان الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل عام 2017، ونقل السفارة الأمريكية إليها عام 2018، أبرز تعبير عن هذا المسار الذي يسعى إلى منح الوقائع المفروضة بالقوة غطاءً دبلوماسيًا.
لكن الاعترافات لا تصنع الحقوق، والوعود السياسية لا تمنح أصحابها سلطة التصرف في أراضي الشعوب. فلا الرئيس الأمريكي، ولا أي حكومة أخرى، تملك أن تهب القدس لإسرائيل، أو أن تحول الاحتلال إلى سيادة مشروعة، أو أن تسقط الحقوق التاريخية والوطنية للشعب الفلسطيني.
إن جوهر الصراع على القدس لا يتعلق بموقع سفارة أو بصيغة اعتراف دبلوماسي، بل بمحاولة اقتلاع مدينة من محيطها العربي، وتجريدها من هويتها التاريخية والحضارية، وتغيير تركيبتها السكانية، وإخضاع أهلها لواقع يدفعهم إلى الاختيار بين الرحيل أو العيش تحت قيود الاحتلال.
والقدس، بما تمثله من تاريخ وحضارة ومقدسات، ليست أرضًا بلا شعب، ولا مدينة تنتظر من يمنحها هوية جديدة. إنها مدينة عربية ذات جذور تاريخية عميقة، وأهلها الفلسطينيون ليسوا طارئين عليها، بل أصحاب حق أصيل في أرضهم وبيوتهم ومقدساتهم ومستقبلهم.
وقد تستطيع إسرائيل، بما تمتلكه من قوة ودعم دولي، أن تغيّر معالم المكان، وأن تفرض أسماء وقوانين وحدودًا إدارية جديدة، لكنها لا تستطيع أن تمحو تاريخ القدس العربي، أو أن تجعل من التهجير والاستيطان والضم مصدرًا مشروعًا للسيادة؛ فالقدس ليست وعدًا صهيونيًا ينتظر الوفاء، ولا هبة أمريكية يملك رئيس أن يمنحها، ولا غنيمة حرب تصبح حقًا بمرور الزمن.. إنها أرض عربية فلسطينية في هويتها التاريخية والحضارية، والقدس الشرقية أرض محتلة بموجب القانون الدولي، وستبقى قضية تحرر وحق وعدالة، لا تحسمها الوعود والاعترافات، بل إنهاء الاحتلال وضمان حقوق الشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
