بيوت عُمان التراثية.. سياحة تصنع الفرص وتحفظ الهوية

 

 

 

 

ناصر بن سلطان العموري

[email protected]

ليست كل الوجهات السياحية التي تستحق الزيارة تلك التي تتزين بالمباني الحديثة والفنادق الفاخرة والمرافق العصرية؛ فهناك أماكن أخرى تأخذنا إلى زمن مختلف، وتمنحنا فرصة لاكتشاف تفاصيل الحياة التي عاشها الآباء والأجداد، وتعيدنا إلى بساطة الماضي ودفء المكان ولعل البيوت العُمانية التراثية واحدة من أبرز الكنوز التي يمكن أن نراهن عليها لتعزيز السياحة في سلطنة عُمان، إذا أحسنا استثمارها وتقديمها للأجيال الجديدة والزوار من مختلف أنحاء العالم.

أحيانًا تأخذنا زيارة عابرة إلى مكان ما إلى أفكار تتجاوز حدود المكان نفسه، وتفتح أمامنا آفاقًا للتأمل في فرص يمكن أن تصنع فارقًا في واقعنا السياحي والاقتصادي وهذا ما شعرت به خلال زيارتي الأخيرة إلى بيت دغال بولاية سمائل؛ فقد وجدت نفسي أمام تجربة جميلة تستحق الإشادة والتوقف عند تفاصيلها.

لم تكن الزيارة مجرد جولة في بيت عُماني قديم، بل تجربة أعادتني إلى ملامح حياة الآباء والأجداد، بما يضمه المكان من تفاصيل العمارة التقليدية ومكونات البيت العُماني القديم وما زاد التجربة جمالًا هو امتزاج هذا الإرث بروح الحاضر؛ فالمقهى والمقصورة المطلة على الحقول والبساتين وساقية الفلج التي تشق المكان يمنحان الزائر فرصة للاستمتاع بالطبيعة والهدوء، بعيدًا عن صخب المدن وضجيج الحياة الحديثة.

وأنا أتأمل هذا التناغم بين التراث والطبيعة والضيافة، تساءلت: كم نملك في عُمان من بيوت وحارات قديمة يمكن أن تتحول إلى وجهات سياحية مميزة، تجمع بين الحفاظ على الهوية الوطنية وخلق فرص اقتصادية جديدة؟

ولعل تجربة حارة العقر بولاية نزوى تقدم درسًا مهمًا في هذا الجانب؛ فإحياء الحارات التاريخية لا يعني ترميم جدرانها فحسب، بل إعادة الحياة إليها، وتوظيف بيوتها في تجارب سياحية تمنح الزائر فرصة الاقتراب من تفاصيل المكان وذاكرته. والدرس الأهم أن التراث يكتسب قيمة إضافية حين يتحول إلى تجربة متكاملة تستقطب الزوار، وتفتح المجال أمام مشروعات الضيافة والمقاهي والأنشطة المرتبطة بالثقافة المحلية.

ومن هنا.. فإن تعميم هذه التجارب يستحق الاهتمام، خصوصًا أن سلطنة عُمان تزخر ببيوت تاريخية وحارات قديمة في مختلف المحافظات، يمكن أن تصبح متاحف صغيرة ونُزلًا سياحية ومقاهي تراثية ومساحات للحرف التقليدية والمنتجات المحلية، إذا توافرت لها الرؤية والاستثمارات المناسبة.

لكنَّ تحويل هذه الفرص إلى مشروعات ناجحة يتطلب منح الشباب العُماني مساحة أكبر للمبادرة، وتقديم الدعم المالي والفني لهم، وتجاوز العقبات الإجرائية التي قد تعترض بداياتهم، دون التفريط في متطلبات السلامة أو المحافظة على أصالة المباني وقيمتها التاريخية.

ولعل الخطوة العملية التي تستحق أن تتبناها الجهات المعنية هي إطلاق مسار وطني ميسّر للاستثمار في البيوت والحارات التراثية، يبدأ بحصر المواقع القابلة للتوظيف السياحي، وتحديد ضوابط واضحة لترميمها واستثمارها، وتخصيص نافذة موحدة للتراخيص والموافقات، مع توفير الإرشاد الفني وخيارات التمويل المناسبة للشباب والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة.

والحفاظ على التراث مسؤولية مشتركة، لكنه لا يعني أن تبقى البيوت القديمة حبيسة الأبواب المغلقة أو أن تظل فرص استثمارها محدودة المطلوب هو إيجاد توازن بين صون أصالتها والاستفادة منها اقتصاديًا وسياحيًا، مع وضع ضوابط تحمي قيمتها التاريخية والمعمارية.

إنَّ مثل هذه المبادرة لن تسهم في تنشيط السياحة فحسب، بل ستفتح فرصًا للعمل والإنتاج، وتدعم المجتمعات المحلية، وتحافظ على إرث الأجداد بصورة حية ومستدامة.

وبيت دغال ليس مجرد محطة لزيارة عابرة، بل تجربة تفتح أمامنا سؤالًا أوسع: كم من كنوزنا التراثية يمكن أن تتحول إلى وجهات سياحية ناجحة لو وجد أصحاب المبادرات الدعم والتسهيلات اللازمة؟ فربما يكون بيت قديم في إحدى قرانا بداية مشروع سياحي واعد، وفرصة عمل للشباب العُماني، وسببًا في أن يكتشف الزائر وجهًا آخر من جمال هذا الوطن؛ فالتراث ليس حكاية نرويها عن الماضي فحسب، بل ثروة نحسن توظيفها في الحاضر، ونترك من خلالها للأجيال القادمة إرثًا حيًا يجمع بين أصالة المكان وطموح المستقبل.

الأكثر قراءة

z