د. سلطان بن سالم العيسائي
حين تُقرِّر دولة كبرى فرض عقوبات اقتصادية على دولة أخرى، فإنها تدرك أنَّ القرار قد يكلّف شركاتها خسائر مالية، ويؤثر في أسعار السلع، وربما ينعكس على حياة مواطنيها، ومع ذلك تمضي في قرارها، وفي المقابل؛ قد تتراجع الدولة نفسها عن موقف سياسي حاد حفاظًا على علاقات تجارية أو استثمارات استراتيجية. هذه المفارقة تضعنا أمام سؤال يتجاوز التفسيرات التقليدية للعلاقات الدولية: من يحدد اتجاه القرارات الكبرى في العالم؟ الحكومات التي تمتلك السلطة السياسية، أم المصالح الاقتصادية التي تفرض حساباتها على الجميع؟
تكشف قراءة التاريخ أن العلاقة بين السياسة والاقتصاد كانت وثيقة على الدوام؛ فقد سعت الإمبراطوريات القديمة إلى السيطرة على الطرق التجارية والموانئ ومصادر الثروة، وكانت الحروب وسيلة لتوسيع النفوذ وتأمين الموارد، وفي العصر الاستعماري، لعب البحث عن الأسواق والمواد الخام دورًا مهمًا في التوسع الأوروبي. ومن الصعب حتى في تلك المراحل التاريخية الفصل بين الطموح السياسي والمكاسب الاقتصادية، ولعل الاختلاف الأبرز في عالمنا المعاصر يكمن في طبيعة الأدوات المستخدمة، وحجم الترابط بين الاقتصادات، والسرعة التي تنتقل بها آثار القرارات من دولة إلى أخرى.
ولنأخذ التنافس الأمريكي الصيني مثالا؛ فالعلاقة بين البلدين تحمل قدرًا لافتًا من التناقض؛ إذ يرتبط اقتصاداهما بعلاقات تجارية واستثمارية واسعة، بينما يتصاعد التنافس بينهما على التفوق التكنولوجي والنفوذ الدولي، وتكشف القيود الأمريكية على تصدير بعض تقنيات أشباه الموصلات المتقدمة إلى الصين عن الأهمية الاستراتيجية لهذه الصناعة، فالشريحة الإلكترونية الصغيرة التي تدخل في صناعة الهواتف والحواسيب وأنظمة الذكاء الاصطناعي أصبحت جزءًا من حسابات الأمن القومي، ومن يملك القدرة على تطوير هذه التقنيات أو التحكم في إتاحتها يمتلك ورقة مؤثرة في العلاقات الدولية.
وتثير هذه الحالة تساؤلًا يستحق التوقف عنده: هل تتخذ الدول قراراتها الاقتصادية لحماية مصالحها السياسية، أم أن مصالحها الاقتصادية هي التي تحدد خياراتها السياسية؟ يصعب تقديم إجابة واحدة؛ لأن العلاقة تسير في الاتجاهين، فقد تُضَحِّي الحكومات بمكاسب تجارية لحماية أمنها، وقد تُعيد النظر في مواقفها السياسية خشية خسارة أسواق مهمة، وتزداد المسألة تعقيدًا حين تتداخل مصالح الشركات الكبرى مع السياسات الحكومية، خصوصًا في القطاعات المرتبطة بالطاقة والتكنولوجيا والصناعات الدفاعية.
ومن اللافت أن بعض الشركات العالمية تمتلك اليوم قدرات مالية وتقنية تفوق ما يتوافر لدى اقتصادات وطنية صغيرة، وتدير هذه الشركات منصات رقمية يعتمد عليها ملايين البشر، وتؤثر قراراتها في تدفق المعلومات وحركة الأسواق وفرص العمل، وقد تستطيع شركة تكنولوجية تغيير شروط استخدام خدماتها في عشرات الدول خلال ساعات قليلة، بينما تحتاج الحكومات إلى إجراءات تشريعية وتنظيمية طويلة للتعامل مع آثار ذلك القرار.
ومع ذلك، فإن الحديث عن سيطرة الشركات على العالم يحتاج إلى قدر من التحفظ، فالحكومات ما زالت تمتلك أدوات تشريعية وقضائية ومالية واسعة، وتستطيع فرض الضرائب والغرامات والقيود على الشركات العاملة داخل نطاق اختصاصها.
أمَّا الحروب، فتقدم صورة أكثر تعقيدًا لهذه العلاقة؛ فالحرب الروسية الأوكرانية، على سبيل المثال، أثرت في أسواق الطاقة والغذاء، ودفعت دولًا أوروبية إلى إعادة النظر في مصادر إمداداتها من الغاز، وقد كشفت هذه التطورات حجم المخاطر التي قد تنشأ عن الاعتماد الاقتصادي على أطراف تتدهور العلاقات السياسية معها.
وتحمل منطقة الشرق الأوسط دلالات مهمة في هذا النقاش؛ فمضيق هرمز والبحر الأحمر وقناة السويس ليست مجرد مواقع جغرافية على خرائط الملاحة؛ إنها شرايين حيوية للتجارة والطاقة، وأي اضطراب أمني كبير في هذه الممرات قد يرفع تكاليف النقل والتأمين، ويؤثر في الأسواق البعيدة عن المنطقة.
وفي ظل هذه المعادلات، تكتسب التجربة العُمانية أهمية خاصة، فقد حافظت سلطنة عُمان على نهج دبلوماسي يقوم على الحوار والتوازن وبناء العلاقات مع مختلف الأطراف، وهو توجه يمنحها مساحة للتعامل مع التنافس الدولي بعيدًا عن الاستقطابات الحادة، ويتكامل هذا النهج مع الأولويات الاقتصادية لرؤية "عُمان 2040" ولا سيما التنويع الاقتصادي وتطوير الموانئ والخدمات اللوجستية وجذب الاستثمارات.
ولعل الدول الصغيرة والمتوسطة أكثر حاجة إلى فهم طبيعة التحولات في موازين النفوذ؛ فحماية المصالح الوطنية تتطلب قراءة دقيقة للعلاقات الاقتصادية الدولية، وتقدير المخاطر المرتبطة بالاعتماد على أسواق أو شركاء محدودين، كما أن تنويع الشراكات والاستثمار في المعرفة والتكنولوجيا، وتطوير القدرات الوطنية، تمنح الدول خيارات أوسع عند مواجهة الضغوط السياسية والاقتصادية، ولا يمكن النظر إلى الاستقلال السياسي بمعزل عن القدرة الاقتصادية التي تسنده.
إنَّ اختزال العالم في صورة حكومات تصدر الأوامر وشركات تنفذها لم يعد كافيًا لفهم العلاقات الدولية، وكذلك فإن تصوير الاقتصاد باعتباره قوة خفية تتحكم في جميع القرارات السياسية ينطوي على تبسيط مُخِل، فالمصالح الاقتصادية نفسها تتشكل داخل بيئات سياسية وقانونية وأمنية، وتتغير أولوياتها تبعًا للظروف.
والأقرب إلى الواقع أن العالم يُدار من خلال شبكة متداخلة من السُّلطات والمصالح، تتفاوت فيها القدرة على التأثير بحسب طبيعة القضية وموازين القوة المحيطة بها، فهناك قرارات تحسمها اعتبارات الأمن القومي، وأخرى ترجح فيها كفة المصالح التجارية، وثالثة تتشكل نتيجة مساومات طويلة بين الحكومات والشركات والمؤسسات المالية.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن ننهي به هذا النقاش: إذا كانت الدول تمتلك سلطة اتخاذ القرار، فمن يمتلك القدرة على تحديد الخيارات المتاحة أمامها أصلًا؟
ربما تكمن الإجابة في التمييز بين امتلاك السلطة وامتلاك النفوذ؛ فالسلطة تمنح صاحبها حق اتخاذ القرار، أمَّا النفوذ فيمنحه القدرة على التأثير في الظروف التي يُتخذ فيها ذلك القرار، وبين هاتين القوتين تتشكل السياسة الدولية، وتُرسم مصالح الدول، ويُكتب جانب كبير من تاريخ العالم.
