الحركة الصهيونية: جذورها التاريخية والفكرية

 

 

جان يعقوب جبور

 

تُعدّ الصهيونية واحدة من أكثر الحركات السياسية إثارةً للجدل في التاريخ الحديث، ليس فقط بسبب نشأتها وأهدافها القومية، بل أيضًا بسبب ارتباط مشروعها بإقامة دولة يهودية في فلسطين، وما رافق ذلك من اقتلاع للسكان الفلسطينيين، ومصادرة للأراضي، وحروب متعاقبة، واحتلال طويل الأمد، وعمليات تدمير واسعة النطاق. غير أن فهم هذه الحركة يقتضي العودة إلى جذورها التاريخية والفكرية، والتمييز بين العقيدة الدينية اليهودية، والهوية اليهودية، والصهيونية بوصفها مشروعًا سياسيًا قوميًا، حتى لا يتحول النقد المشروع للسياسات الصهيونية إلى تعميم ديني أو اتهام جماعي لليهود.

وظهرت الصهيونية الحديثة في أوروبا خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، في بيئة اتسمت بتصاعد القوميات الأوروبية، واستمرار معاداة السامية، وتعرّض اليهود للاضطهاد والتمييز في عدد من البلدان. وفي هذا السياق، برزت الصهيونية السياسية، التي ارتبط اسمها بصورة خاصة بثيودور هرتزل، وسعت إلى إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. وقد شكّل المؤتمر الصهيوني الأول في بازل عام 1897 محطة مفصلية في تنظيم الحركة وتحديد أهدافها السياسية. لكن المشكلة التاريخية والأخلاقية الأساسية في المشروع لم تكن في سعي جماعة مضطهدة إلى الأمان وحده، بل في الطريقة التي جرى بها السعي إلى تحقيق هذا الهدف على أرض مأهولة بشعب آخر، له تاريخه ومجتمعه وحقوقه الوطنية الراسخة.

لقد استندت بعض التيارات الصهيونية إلى تصورات دينية وتاريخية تمنح اليهود حقًا حصريًا أو متفوقًا في الأرض، فيما تبنّت تيارات أخرى حججًا قومية واستعمارية تتصل بالسيطرة على الأرض وإقامة مجتمع سياسي جديد. ومع مرور الوقت، تداخلت هذه التصورات في الخطاب السياسي الإسرائيلي، وخصوصًا لدى التيارات القومية والدينية المتشددة التي ترى في السيطرة على كامل الأرض بين النهر والبحر هدفًا تاريخيًا أو دينيًا. وهنا تكمن إحدى أخطر الإشكاليات: عندما يتحول التأويل الديني أو الادعاء التاريخي إلى أداة لنفي حقوق السكان الموجودين، تصبح الأرض موضوعًا للصراع الوجودي، ويُختزل الإنسان إلى عقبة أمام مشروع سياسي يراد فرضه بالقوة.

ولا يمكن تناول العلاقة بين الصهيونية والعنف من دون التوقف عند الحقبة التي سبقت قيام إسرائيل عام 1948. فقد أدّى الانتداب البريطاني، ووعد بلفور الصادر عام 1917، والهجرة اليهودية المنظمة، والصراع على الأرض والسلطة السياسية، إلى تصاعد المواجهة بين الحركة الصهيونية والسكان الفلسطينيين. ومع اقتراب نهاية الانتداب، شهدت فلسطين أعمال عنف متبادلة وعمليات عسكرية نفذتها جماعات مسلحة متعددة، من بينها منظمات صهيونية مثل «الإرغون» و«ليحي»، اللتان ارتبط اسمهما بعمليات تفجير واغتيال وهجمات استهدفت مدنيين. وشكّلت مجزرة دير ياسين في نيسان 1948، التي قُتل فيها أكثر من مئة فلسطيني، محطة مأساوية رسّخت الخوف والذعر في أوساط السكان.

ثم جاءت نكبة عام 1948، التي أدّت إلى تهجير نحو 700 ألف فلسطيني، وتدمير أو إخلاء مئات القرى والبلدات، وحرمان غالبية اللاجئين من العودة إلى منازلهم. ولم تكن النكبة مجرد نتيجة جانبية لحرب عابرة؛ فقد ارتبطت عمليات الطرد والفرار القسري، وتفريغ المناطق الفلسطينية، وإحلال واقع ديموغرافي جديد، بتشكيل الدولة وتثبيت سيطرتها على الأرض. ومنذ ذلك التاريخ، بقيت قضية اللاجئين وحق العودة من أبرز الشواهد على أن قيام دولة لشعب ما لا يمكن أن يشكّل مبررًا لمحو حقوق شعب آخر أو تجاهل معاناته الممتدة عبر الأجيال.

وفي عام 1967، احتلت إسرائيل الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة، والجولان السوري، وسيناء المصرية. وعلى الرغم من انسحابها من سيناء لاحقًا، ظل الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية محورًا رئيسيًا للصراع. وتوسعت المستوطنات في الضفة الغربية والقدس الشرقية، في تحدٍّ للقانون الدولي الذي يعتبر المستوطنات في الأراضي المحتلة غير قانونية. كما أدت مصادرة الأراضي، وهدم المنازل، والقيود على الحركة، وتجزئة الجغرافيا الفلسطينية، إلى تقويض فرص قيام دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة. ولم تكن هذه السياسات حكرًا على حكومة إسرائيلية واحدة أو تيار سياسي بعينه، وإن اختلفت حدتها وأدواتها عبر العقود. فقد ساهمت حكومات متعاقبة، بدرجات متفاوتة، في ترسيخ نظام السيطرة العسكرية والاستيطانية، فيما دفعت تيارات صهيونية دينية وقومية متشددة باتجاه ضم الأراضي ورفض قيام دولة فلسطينية مستقلة. وتكمن الخطورة في أن تتحول القوة العسكرية من وسيلة يفترض أن تخضع للقانون إلى أداة لإدامة السيطرة، وأن يصبح أمن طرف واحد مبررًا دائمًا لحرمان الطرف الآخر من الأمن والحرية وتقرير المصير.

وقد كشفت الحروب الإسرائيلية المتعاقبة على لبنان، ولا سيما اجتياح عام 1982، وما رافقه من دمار واسع ومقتل أعداد كبيرة من المدنيين، عن الكلفة الإنسانية الباهظة لاستخدام القوة خارج حدود التناسب والضرورة. كما مثّلت مجزرتا صبرا وشاتيلا عام 1982 فصلًا شديد السواد في تاريخ المنطقة؛ فقد ارتكبت المجازر على أيدي ميليشيات لبنانية، فيما خلصت لجنة كاهان الإسرائيلية إلى مسؤولية إسرائيل غير المباشرة، وحمّلت مسؤولين إسرائيليين مسؤولية تجاهل خطر المجزرة وعدم اتخاذ التدابير اللازمة لمنعها. ويبيّن هذا الحدث أهمية التمييز بين مرتكبي الجرائم المباشرين والمسؤوليات السياسية والعسكرية المترتبة على السماح بها أو الإخفاق في منعها.

أما في فلسطين، فقد اتخذ العنف أشكالًا متكررة، من العمليات العسكرية والاغتيالات إلى الحصار وتدمير البنية التحتية. وجاءت الحرب التي اندلعت في قطاع غزة بعد هجمات السابع من أكتوبر 2023 لتكشف، على نحو غير مسبوق في العقود الأخيرة، حجم الإبادة والمأساة الإنسانية التي يمكن أن تنجم عن استمرار الصراع من دون مساءلة فعالة. فقد أدّت العمليات العسكرية الإسرائيلية إلى سقوط أعداد هائلة من القتلى والجرحى الفلسطينيين، بينهم أعداد كبيرة من الأطفال والنساء، وإلى تدمير واسع للمنازل والمستشفيات والمدارس وشبكات المياه والصرف الصحي، فضلًا عن النزوح الجماعي وانهيار أجزاء كبيرة من النظام الصحي. وقد وثّقت الأمم المتحدة ومنظمات إنسانية وحقوقية حجم الدمار والمعاناة، فيما أثارت طبيعة العمليات العسكرية والقيود على دخول المساعدات تساؤلات جدية حول احترام قواعد القانون الدولي الإنساني التي لم يميز فيها الكيان الصهيوني بين المدنيين والمقاتلين، ولم يحترم مبدأي التناسب والاحتياطات الممكنة، ولم يأبه لحظر أخذ المدنيين رهائن أو استهدافهم عمدًا.

ومن الضروري أيضًا التوقف عند الخطاب الذي يرافق السياسات المتشددة، حين تُستخدم مفاهيم مثل «أرض الميعاد» أو «الحق التاريخي» أو «الأمن المطلق» لإضفاء شرعية على السيطرة الدائمة أو تبرير التهجير والتوسع الاستيطاني. فالمشكلة لا تكمن في وجود معتقد ديني أو رواية تاريخية بحد ذاتها، بل في تحويلها إلى مبرر لحرمان شعب آخر من حقوقه. كما أن تصريحات بعض المسؤولين الصهاينة التي تصوّر الفلسطينيين بصورة جماعية مهينة أو تنزع عنهم إنسانيتهم تثير مخاوف بالغة، لأن نزع الإنسانية عن الخصم كثيرًا ما يهيئ البيئة السياسية والأخلاقية لتبرير العنف الواسع.

إن التاريخ، من النكبة إلى الاحتلال والاستيطان، ومن الحروب الإقليمية إلى مأساة غزة، يفرض سؤالًا جوهريًا: هل يمكن بناء أمن دائم لشعب من خلال إبقاء شعب آخر تحت الاحتلال والحصار، وحرمانه من السيادة والحرية وتقرير المصير؟ التجربة التاريخية تشير إلى أن القوة قد تفرض وقائع مؤقتة، لكنها لا تستطيع وحدها صناعة سلام مستدام. فالاحتلال يولّد مقاومة، والقمع يعمّق المظالم، والتهجير لا يمحو الذاكرة الوطنية، كما أن تدمير المدن لا ينهي تطلعات الشعوب إلى الحرية.

إن مواجهة الأيديولوجيات التي تبرر الهيمنة والعنف لا تكون بتعميم الكراهية أو باستبدال ظلم بظلم، بل بتفكيك الحجج التي تنكر حقوق الآخرين، ومساءلة المسؤولين عن الجرائم، ورفض الإفلات من العقاب، أيًا كانت هويتهم أو مناصبهم. ولا يمكن تحقيق سلام حقيقي في الشرق الأوسط ما لم يُعترف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وإنهاء الاحتلال، ووقف الاستيطان، وضمان حقوق اللاجئين وفق القانون الدولي والقرارات ذات الصلة، وحماية المدنيين.

والمعيار الأخلاقي الذي ينبغي أن يحكم هذا الصراع ليس هوية الضحية أو الجلاد، ولا انتماءه الديني أو القومي، بل قيمة الإنسان وحقه في الحياة والحرية والكرامة. وأي مشروع سياسي، مهما استند إلى رواية تاريخية أو عقيدة دينية أو مبررات أمنية، يفقد شرعيته الأخلاقية عندما يجعل من معاناة الآخرين ثمنًا دائمًا لتحقيق أهدافه. إن السلام الذي لا يقوم على العدالة ليس سوى هدنة مؤقتة، والعدالة التي لا تشمل الفلسطينيين على قدم المساواة مع سائر الشعوب ستبقى ناقصة، فيما سيظل الشرق الأوسط أسير دورة متجددة من الدم والدمار ما دامت جذور الظلم من دون معالجة، وانقلاب مفاهيم الصديق من العدو وحماية الجلاد على حساب الضحية والعقوبات الأمريكية على شعوب المنطقة والقوانين الدولية.

الأكثر قراءة

z