عباس المسكري
في إقليمٍ تتبدّل فيه المواقف مثلما تتبدّل خرائط النفوذ، وتُدار بعض المعارك من خلف الشاشات قبل أن تصل إلى موائد السياسة، اختارت سلطنة عُمان أن تجعل من هدوئها جزءًا من حضورها، ومن اتزانها لغةً من لغات الدولة، تُثار حولها الأسئلة، وتُنسج التأويلات، وتُدفع إليها رسائل الاستفزاز بأشكالٍ شتى؛ لكنها لا تمنح كلَّ ما يُقال عنها حقَّ أن يتحول إلى موقف، ولا كلَّ ما يُراد لها أن تنشغل به يستحق أن يأخذ من وقت الدولة ووقارها.
السياسة، في جوهرها، ليست سباقًا إلى الرد، ولا مسابقةً في رفع الصوت؛ إنها القدرة على أن ترى المشهد من فوق دخان المعركة، وأن تميّز بين ما يستحق الموقف وما يستحق التجاهل، ومن هذه المسافة تحديدًا يمكن فهم سلطنة عُمان، دولةٌ لا تستدرجها الضوضاء إلى غير مسارها، ولا تسمح للآخرين بأن يختاروا لها توقيت غضبها.
لكن المسألة، في حقيقتها، أعمق من مجرد هدوءٍ في الخطاب أو تحفظٍ في المواقف، فالدول، مثل الأفراد، لا تُختبر فقط بما تفعله حين تكون الظروف مواتية؛ إنما تُختبر حين يُراد لها أن تتصرف خلاف طبيعتها، وفي السياسة، ربما كانت أخطر صور النفوذ أن تجعل خصمك يتصرف وفق إيقاعك دون أن يشعر أنك أنت من أخترت له الإيقاع، لذلك فإن استقلال القرار لا يعني أن ترفض الدولة كل ما يأتيها من الخارج، بل يعني أن تظل هي صاحبة اليد على مقود استجابتها، وتعرف متى تقترب، ومتى تبتعد، ومتى تقول كلمتها، ومتى تترك للوقت أن يقول ما تعجز عنه الكلمات.
من هنا يمكن قراءة المسار العُماني في محيطٍ إقليمي شديد الاستقطاب، فسلطنة عُمان لم تجعل من السياسة الخارجية مرآةً لانفعالات اللحظة، ولم تتعامل مع الخلافات الإقليمية بمنطق «معنا أو ضدنا»، بل اختارت أن تحتفظ بمسافةٍ تسمح لها بأن ترى أطراف المشهد جميعًا، وأن تتحدث مع المختلفين دون أن تجعل الحوار تبعية، وأن تفتح قنوات الاتصال حين تُغلق الأبواب، وفي عالمٍ تُقاس فيه المواقف أحيانًا بدرجة اقترابها من هذا المحور أو ذاك، يصبح الاحتفاظ بمسافة مستقلة فعلًا سياسيًا قائمًا بذاته.
والحياد، في هذا المعنى، ليس مقعدًا في الصفوف الخلفية، بل إنه موقعٌ آخر داخل المسرح، وقد يبدو لمن أعتاد منطق الاصطفاف أن الدولة المحايدة أقل حضورًا، بينما الحقيقة أن قدرتها على الحديث مع أطراف متباعدة تمنحها نوعًا مختلفًا من النفوذ، نفوذ القناة المفتوحة حين تنقطع القنوات، ونفوذ الكلمة حين يصبح الكلام بين الخصوم مكلفًا، ونفوذ الدولة التي تستطيع أن تقول «نختلف» من دون أن نحوّل الاختلاف إلى قطيعة.
لذلك فإن ما يواجه سلطنة عُمان من حملات وتأويلات وضغوط ومحاولات للتأثير لا ينبغي النظر إليه منفصلًا عن طبيعة موقعها السياسي، وليس من الحكمة أن تُحوَّل كل واقعة إلى مؤامرة، كما ليس من الحكمة أن تُقرأ كل حملة باعتبارها عابرة بلا دلالة؛ فالسياسة أكثر تعقيدًا من ذلك؛ فهي عالمٌ تتقاطع فيه المصالح، وتُختبر فيه قدرة الدول على حماية قرارها من الضغوط المباشرة وغير المباشرة، وتصبح فيه السيطرة على السردية جزءًا من الصراع على التأثير.
لكن الدولة التي تستجيب لكل ضغطٍ بالانفعال، تمنح الضغط قيمته بنفسها، أما الدولة التي تفكك الرسالة قبل أن تجيب عنها، وتزن كلفة الرد قبل أن ترفع صوتها، فإنها تستعيد أهم ما يمكن أن تمتلكه في عالم السياسة: حرية الفعل، وهذه الحرية ليست ترفًا دبلوماسيًا؛ بل إنها جوهر السيادة، فسيادة الدولة لا تظهر فقط في قدرتها على اتخاذ القرار، بل في قدرتها على ألا تجعل الآخرين يتخذون القرار نيابةً عنها من خلال دفعها إلى ردود أفعال محسوبة مسبقًا.
وهنا تتصل السياسة بالفلسفة اتصالًا لا يمكن تجاهله، فالإنسان، كما الدولة، يُعرَف بقدرته على امتلاك نفسه حين يحاول الآخرون امتلاك رد فعله، والقوة ليست دائمًا في الفعل؛ فأحيانًا تكون في القدرة على الامتناع عن الفعل حتى تكتمل شروطه. ومن يملك أعصابه في لحظة الاستفزاز يملك جزءًا من المشهد، ومن يملك توقيته يملك جزءًا من النتيجة، ولهذا فإن الهدوء السياسي ليس فراغًا بين موقفين، بل إنه موقفٌ قائم بذاته، إذا كان وراءَه وعيٌ وحسابٌ ومصلحة.
ومن هذه الزاوية تحديدًا يمكن فهم الدبلوماسية العُمانية، إنها ليست دبلوماسية الهروب من الأزمات، بل دبلوماسية إدارة المسافة بينها وبين مصالح الدولة، ولا تنكر وجود العاصفة، لكنها لا تسمح لها بأن تصبح بوصلة، ولا تغلق الأبواب في وجه الاختلاف، ولا تفتح أبوابها بلا حساب، وبين الإغلاق المطلق والانفتاح الساذج، توجد تلك المنطقة الصعبة التي تحتاجها الدول أكثر من غيرها: أن تكون منفتحة دون أن تكون مستباحة، وأن تكون مرنة دون أن تكون قابلةً للإنحناء، وأن تكون هادئة دون أن تكون غائبة.
وفي قلب هذا النهج تتحرك السياسة الخارجية لجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- من خلال توسيع دوائر العلاقات والشراكات، وتعزيز الحضور الدبلوماسي والاقتصادية لسلطنة عُمان، وبناء جسورٍ مع عواصم مختلفة في الشرق والغرب، فالسفر الدبلوماسي، حين يكون جزءًا من رؤية دولة، لا يكون مجرد انتقال بين العواصم، بل إنه إعادة رسمٍ لدوائر المصالح، وفتحٌ لمسارات جديدة أمام الاقتصاد والاستثمار والتعاون، وتثبيتٌ لموقع الدولة في عالمٍ لا يترك الفراغات السياسية والاقتصادية فارغة.
وهنا يصبح الفارق بين الدولة التي تلاحق الأحداث والدولة التي تبني موقعها داخل الأحداث واضحًا، فالأولى تقضي وقتها في الإجابة عن الأسئلة التي يفرضها عليها الآخرون، والثانية تنشغل بصناعة الأسئلة التي سيضطر الآخرون إلى التعامل معها، ولهذا فإن استمرار سلطنة عُمان في بناء علاقاتها، وتوسيع شراكاتها، واستقطاب الاستثمار، وتعزيز حضورها الدولي، ليس خروجًا من السياسة، بل هو السياسة في صورتها الأعمق بأن تجعل للدولة من المصالح ما يحمي قرارها، ومن العلاقات ما يوسّع خياراتها، ومن الاستقرار ما يمنحها القدرة على التفكير أبعد من اللحظة.
ولعل أجمل ما في المشهد أن سلطنة عُمان لا تحتاج إلى إعلان خصومتها مع الضجيج كي تنتصر عليه، فيكفي أنها لا تسمح له بأن يعيد ترتيب أولوياتها، فالضجيج بطبيعته قصير النفس؛ يعيش على رد الفعل، ويحتاج في كل مرة إلى استفزاز جديد كي يبقى حاضرًا، أما الدولة، فمشروعها أطول من دورة خبر، وأعمق من موجة تداول، وأبقى من حملةٍ على منصة.
لهذا يمكن أن نفهم هدوء سلطنة عُمان لا باعتباره طبعًا اجتماعيًا فحسب، ولا أسلوبًا دبلوماسيًا عابرًا، وإنما باعتباره جزءًا من فلسفة دولة، تعرف أن التاريخ لا يُكتب بسرعة الغضب، وأن الجغرافيا لا تُدار بضجيج المنصات، وأن السيادة لا تحتاج في كل لحظة إلى إثبات نفسها بالصوت المرتفع.
وفي النهاية.. ليست المسألة أن سلطنة عُمان لا ترى ما يُحاك حولها، ولا أنها لا تدرك طبيعة المصالح التي تتقاطع عند حدودها وفي محيطها، بل لعلّ المسألة في أنها تراه كله، ثم تختار ألا تمنحه أكثر مما يستحق، تلك فضيلة الدول التي لا تقيس قوتها بعدد المعارك التي تدخلها، وإنما بقدرتها على أن تظل صاحبة قرارها وسط كثرة من يريدون أن يقرروا عنها، فالزمن السياسي لا ينصف الأكثر صخبًا، وإنما ينصف الأكثر ثباتًا على ما يعرف أنه مصلحته، وبينما تتبدل خرائط التحالف، وتتغير لغة المصالح، وتعلو موجات الاستفزاز ثم تنحسر، تبقى سلطنة عُمان متمسكةً بذلك الخيط الهادئ الذي يصل السياسة بالحكمة، والمصلحة بالمبدأ، والانفتاح بالسيادة. ولهذا لا تُستفَز سلطنة عُمان، لأنها لا تسمح للآخرين بأن يكتبوا لها ردّها، ولا أن يحددوا لها طريقها، ولا أن يجعلوا من ضجيجهم بوصلةً لقرارها.
