عندما يناطح الغناء السياسة

 

 

 

صبحي حسن

في يوليو عام 2025 كتبت مقالًا عن ظاهرة المغنين الأجانب وكان بطلها آنذاك بوب فيلان، واليوم يتكرر المشهد ذاته، ولكن مع ماكليمور مغني الراب الأمريكي.

في الرابع من سبتمبر 2026، قام المغني البريطاني إد شيران بعمل جولة غنائية في أمريكا شارك فيها المغني ماكليمور الذي وقف على مسرح ملعب متلايف قائلًا Free Palestine، هاتان الكلمتان تسببتا في موجة غضب وهجوم من منظمات موالية لإسرائيل، جعلت المجلس الإسرائيلي الأمريكي يرفع عريضة باستبعاد ماكليمور من بقية الحفلات، كما رفضت بعض إدارات الملاعب والجهات المستضيفة إقامة أي حفل يشارك فيه ماكليمور.

صحيفة "ميدل إيست آي" البريطانية ذكرت أن الملياردير رزوبرت كرافت رجل الأعمال اليهودي الأمريكي الداعم لإسرائيل، قاد حملة ضغط ضد ماكليمور وهدد إد شيران. كرافت صاحب مجموعة من الملاعب الرياضية التي تستضيف الحفلات الغنائية، قال عام 2019: "بعد عائلتي لا يوجد شيء أكثر شغفًا من إسرائيل".

كرافت كان يستعد لدعم اللوبي الصهيوني في أمريكا (آيباك) لحملة الانتخابات النصفية للكونغرس الأمريكي لصالح الجمهوريين، لكن في المقابل نجح ماكليمور أن يرفع شعار Free Palestine ليس فقط على المسرح، وإنما مع كل خبر صحفي كُتب عنه.

وقبل أن يقف على المسرح قال: "إن أحد الأسباب التي جعلتني أرغب المشاركة في هذه الجولة أردت أن أقف هنا على المسرح وفي الملاعب في مختلف أنحاء أمريكا وأقول كلمتين قريبتين جدًا من قلبي وعزيزتين. وأضاف: كنت بحاجة إلى حفلتين فقط لأقف أمام 90,000 شخص وأقول فلسطين حرة، وإن كانت هذه الكلمات ستكلفني المسرح إلا أنها ستكون أنجح جولة شاركت فيها على الإطلاق".

وأضاف أنه يريد لهذه الكلمات أن تصل إلى الناس من غزة وصولًا إلى الضفة الغربية المحتلة ليعلموا أنهم لم يُنْسَوا. وقال إن الامتناع عن التعبير عما يمليه عليه قلبه حرصًا على راحته وراحة الجمهور يعني أنه لم يعد يستحق الوقوف على المسرح!

وأعلن ماكليمور تبرعه بمبلغ مليون دولار من أرباحه الشخصية لصالح منظمات الإغاثة في قطاع غزة، مؤكدًا أن الصمت تجاه ما يحدث يعد خيارًا غير مقبول أخلاقيًا.

ردود الأفعال:

تقديرًا لمواقفه الداعمة لفلسطين، فنانون في غزة يرسمون صورة جدارية كبيرة للمغني الأمريكي ماكليمور على جدار مبنى دمره الاحتلال الإسرائيلي خلال حرب الإبادة.

ديمون إلبرين، مغني وموسيقي ومنتج بريطاني شهير، مؤسس فرقة غوريلا، يرفع علم فلسطين خلال حفل أقيم في مدينة أورلاندو بولاية كاليفورنيا الأمريكية دعمًا للشعب الفلسطيني.

بعد استبعاده من حفلات الغناء، ارتفعت أسعار إعادة بيع تذاكر حفل ماكليمور المقبل في كولورادو بنسبة 45% خلال ثلاثة أيام من 105 دولار إلى 157 دولار لأرخص تذكرة متاحة، في المقابل تراجعت أسعار تذاكر 9 حفلات لإد شيران مقابل عشرة، وانخفض سعر أرخص تذكرة لحفل فيلادلفيا بنسبة 25% خلال أسبوع.

نقلًا عن أرب بوست، أعلنت إذاعة كلاسيك هيتس الإيرلندية، أنها أزالت أغاني إد شيران من قائمة بثها اعتبارًا من 17 سبتمبر 2026 وحتى إشعار آخر، بعد ردود أفعال المستمعين على خلفية استبعاد ماكليمور.

تضامنًا مع ماكليمور ورفضًا لمحاولات إسكات الأصوات المدافعة عن المظلومين، أعلن عدد من الفنانين والفرق المشاركة في جولة إد شيران انسحابهم تباعًا، ومنهم الموسيقي فينياس أوكونيل، وفرقة "بيوغا" الأيرلندية، وفرقة "لوكاس غراهام" الدنماركية، والمغني آرون رو.

أوضح إد شيران لاحقًا أن قرار الاستبعاد لم يكن قراره الشخصي؛ بل جاء بضغط من الجهات المنظمة وإدارة القاعات، وسط تفجر جدل عالمي واسع حول حرية التعبير ومعايير إقصاء الفنانين بسبب مواقفهم الإنسانية.

الكاتبة التونسية سمية الغنوشي: عاقبوا ماكليمور لأنه غنى لفلسطين.. فتمرد فنانون آخرون وانسحبت حتى فرقة إد شيران. كلما حاولوا إسكات صوت فلسطين ارتفعت أصوات أخرى، إسرائيل تملك الجيوش والأموال وتخسر العالم.

صحيفة عكاظ: لم يتمالك إد شيران دموعه خلال حفل في مدينة فيلاديلفيا الأمريكية متحدثًا لأول مرة أمام جمهوره عن الأزمة التي أحاطت بجولته الغنائية الأخيرة وسط تداعيات قرار استبعاد المغني ماكليمور. بدا شيران متأثرًا بشدة قبل أن يغطي وجهه بيديه ويبكي وقال: "لقد أُضطررت إلى اتخاذ قرارات صعبة وأعلم أنني ارتكبت أخطاء وأنا آسف"، وقال في تصريح آخر إنه يعتذر عن تعامله مع الجدل الذي أثير بسبب تصريحات عن فلسطين، كما انتقد معاملة إسرائيل لسكان غزة ووصفها "بأنها لا يمكن تبريرها".

ماذا يملك هؤلاء المغنيين غير آلاتهم الموسيقية وحناجرهم، ورغم ذلك استطاعوا أن يناطحوا السياسية. إن ظاهرة الفنانين الأجانب ودعمهم للقضية الفلسطينية تستحق الوقوف والدراسة، هؤلاء ليسوا مسلمين وليسوا من منطقتنا وليسوا من ملتنا وليسوا من الناطقين بلغتنا، ما يجعلنا نتساءل لماذا يناصروننا، وننبذها نحن أبناؤها وأحق بها؟

لا شك أن طوفان الأقصى كان له الدور الأول في هذه الظاهرة وغيرها من الظواهر التي خرجت مؤخرًا. فقد أدى إلى زيادة منسوب الوعي الإنساني، وكان لتأثير وسائل التواصل الاجتماعي والإيمان بدور الفن كأداة ليست فقط للترفيه والرقص؛ بل مسؤولية وموقف.

لقد تم تخطي الإعلام التقليدي الغربي ساد لعقود وكان يتبنى رواية أحادية، التي عملت على غسيل عقول المجتمع الغربي وتغطية الكثير من الحقائق خوفًا من هذا الوعي. اليوم كُسر هذا التابوه، وساح الإعلام كما يسيح الماء على الأرض المستوية، وبانت الحقائق وبدأ الضمير والعقل الذي طمس يتحرك تجاه حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية وضد القهر والاحتلال والعنصرية المقيتة، إنه ليس فقط صراع سياسي على مكتسبات هنا وهناك؛ بل رهان على الإنسان نفسه وحقه في العيش الكريم.

هذا الوعي انعكس على الموسيقيين والمغنين أنفسهم الذين بدأوا يحسون بالمسؤولية لامتلاكهم قاعدة جماهيرية كبيرة يمكن توجيهها لإيجاد صوت للمحرومين والمظلومين وتوعية الشعوب من خلالها.

في موازاة ذلك، ظهرت حركات منظمة داخل الوسط الفني الغربي مثل حركة Artists for Palestine وحملات المقاطعة الثقافية لإسرائيل مثل (BDS) جعل الفنان الغربي يحس أنه جزء من ثقافة عالمية ترفض كل أنواع الظلم والانتهاكات في أي مكان في العالم ليس فقط في فلسطين.

لم يتوقف الأمر على بوب فيلان أو ماكليمور، ففي عام 2025، ظهر فنانون ونجوم عالميون تضامنوا مع الشعب الفلسطيني رغم استهدافهم. فظهر ثلاثة نجوم كل يعبر بطريقته الخاصة منهم من نشر الوعي على مواقع التواصل الاجتماعي مثل ميليسا باربرا وجينا أورتيغا ومنهم من شارك في مظاهرات مثل الممثلة الأمريكية سوزان ساراندون ومغني الراب والممثل كيد كادي.

ما يقومون به هؤلاء نابع عن قناعة وثبات ووعي، ليس مجاراة وكسب ود الجماهير، فهم مستعدون لدفع الثمن مهما كلفهم ذلك من إلغاء الحفلات، والاستبعاد، ومحاربة شركات الإنتاج والوكالات التي تساندهم. وهناك معارك حول حرية التعبير ومقاومة نفوذ أصحاب الثروات والشركات الكبرى التي تسيطر وتدير تلك الحفلات.

تُرى أين الفنانون العرب من هذا كله؟

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z