عندما طلبنا العزة من البيت الأبيض.. أذلنا الله بمن يهيننا

الدكتورة جمالات عبدالرحيم

سؤال مهم إلى أمة ابتعدت عن كتاب الله عز وجل: هل العقليات التي وضعت العرب والمسلمين تحت تهديد إسرائيل عقليات سليمة أم مريضة؟ وهل نحن حقًا خير أمة أُخرجت للناس؟

هذا السؤال هو الذي قاد هذه الدراسة.

الفصل الأول: ما الشخصية النرجسية التي تحكمنا؟

الشخصية النرجسية ليست مجرد غرور، بل هي اضطراب يجعل صاحبها يرى نفسه فوق الحق وفوق الناس. وقد لخّص النبي صلى الله عليه وسلم معنى الكبر في قوله: «الكِبْرُ بَطَرُ الحقِّ وغَمْطُ الناسِ».

بطر الحق: ألا يستمع صاحب القرار إلى نصيحة خبير، أو تقرير اقتصادي، أو صوت شعبه. فإذا قال له مستشاره: «إن فرض رسوم جمركية بنسبة 32% سيدمر المزارعين»، طرد المستشار.

غمط الناس: أن يرى الشعوب أرقامًا، والحلفاء خدمًا. فيقول لك اليوم: «أنت صديق عظيم»، ثم يفرض عليك غدًا رسومًا جمركية بنسبة 19%، مدعيًا أن ذلك لمصلحتك.

هوس التصفيق: يحتاج صاحب هذه الشخصية كل يوم إلى المدح والكاميرات والألقاب، مثل «صانع السلام». وإذا لم تصفق له، عاقبك.

هل أفادت هذه الشخصية صاحبها؟

نعم، في مرحلة الصعود السريع. فالشخص النرجسي جريء، يقتحم المواقف، ويخيف العالم، فيدفع الآخرين إلى التفاوض معه. لكن بعد ثلاث أو أربع سنوات يبدأ السقوط؛ لأنه لا يتعلم من أخطائه.

وتشير بعض الادعاءات المتداولة إلى أن 74% من المؤسسات التي يقودها شخص نرجسي متطرف تنهار بعد عامها الرابع.

هل أفادت من تعاون معه؟

من تعاون معه دخل في دورة من الإساءة النرجسية تتكون من ثلاث مراحل:

التقديس: «أنت حليفي المفضل».

الاستنزاف: «ادفع 15 مليارًا في قطاع الطاقة، و10 مليارات في شراء السلاح، واقطع علاقتك بالصين، مثلًا، أو بالدول التي فرضنا عليها عقوبات أو رسومًا جمركية». وقد يؤدي ذلك إلى زعزعة ثقتك بهذه الدول وبنفسك وبمن حولك. وقد يسعى الشخص النرجسي إلى فرض النتائج التي يريدها على من يرحب به، أو يمنعه، أو يسخر منه.

التخلّي: «الآن سأفرض عليك رسومًا جمركية بنسبة 19%».

يستفيد من هذا النوع من العلاقات التاجر المؤقت الذي يحقق صفقته ثم ينسحب. أما من يبني مستقبله عليه، فقد يجد نفسه في موقف خاسر.

هل أفادت من تجنبه؟

نعم، فقد تتمكن الدول التي تتجنب الارتهان له من الحفاظ على استقرارها النفسي وسيادتها، مثل إندونيسيا، التي يبلغ عدد سكانها نحو 270 مليون مسلم، وفق ما يورده المقال. ويستشهد الكاتب بموقف مفترض مفاده أنها قالت للولايات المتحدة: «لن نكون مخبرًا ضد الصين، ولن نفرض عقوبات على أحد من أجلكم»، فحافظت على معدل نمو بلغ 5% وعلى كرامتها.

الفصل الثاني: كيف تخلّينا عما يجعلنا خير أمة؟

قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾.

فالخيرية ليست امتيازًا قائمًا على النسب، بل ترتبط بشروط. وحين تركنا هذه الشروط، ابتعدنا عن أسباب الخيرية، وذلك عبر ثلاث مراحل:

1. من الخلافة إلى القبيلة (1924)

سقطت الخلافة العثمانية، ثم جاءت اتفاقيات سايكس بيكو لتقسيم المنطقة، وصولًا إلى قيام دول عربية متعددة. ويطرح المقال فكرة أن القوى الخارجية ربطت شرعية كل حاكم باعترافها به، لا بتعاونه مع أشقائه، فأصبح بعضنا يحتمي بعدوه من أخيه.

2. من القرار إلى اللقمة

ربطنا عملاتنا بالدولار، واعتمدنا على استيراد القمح لتأمين غذائنا، وعلى سلاسل إمداد خارجية لتوفير الأسمدة. فأصبح من يعاني نقص الغذاء أقل قدرة على اتخاذ قرار مستقل.

وحتى الدولة التي تمتلك النفط والأراضي والمضائق والجبال قد تتعرض لضغوط إذا خالفت القوى المهيمنة. وقد تتفاقم هذه الضغوط عندما يتحالف بعض الأطراف مع الحاكم المتسلط، سعيًا إلى إسقاط خصومهم أو الاستحواذ على حقوقهم.

3. من المنبر إلى الشاشة

أقنعونا بأن الأمر بالمعروف تطرف، وأن النهي عن المنكر إرهاب، وأن التطبيع حكمة، وأن الوحدة ضعف.

فأين الأمر بالمعروف؟ لقد أصبحنا، في بعض المواقف، نأمر بالمنكر وننهى عن المعروف من دون أن نشعر.

الفصل الثالث: كيف فُرض علينا الخضوع لمن يهيننا، رغم اختلاف الملة ووجود صفات النرجسية؟

نعم، هذا ما يطرحه المقال.

فُرض على أمة التوحيد، وفق هذه الرؤية، نظام عالمي يقول: إذا أردت البقاء في منصبك، فأطع من يختلف معك في الملة، حتى لو أهانك، واقطع علاقتك بأخيك المسلم.

لماذا تفضّل بعض القوى الخارجية الحاكم النرجسي؟ لأنه، بحسب هذا الطرح، أسهل في التعامل معه وإخضاعه: تمنحه صورة في البيت الأبيض، فيمنحك قاعدة عسكرية؛ تمدحه، فيوقّع؛ تهدده، فيخضع. ويحدث ذلك عندما تصبح شرعية الحاكم، في نظره، مرتبطة برضا الخارج أكثر من ارتباطها بإرادة شعبه.

وهنا يستحضر المقال قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾.

الفصل الرابع: عندما طلبنا العزة من البيت الأبيض.. أذلنا الله بمن يهيننا

وهنا، وفق رؤية المقال، تتضح الصورة أمام العالم.

حين قال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله»، كان المعنى أن العزة الحقيقية لا تقوم على التبعية أو الاستقواء بالآخرين.

من طلبوا الأمن من البيت الأبيض، ووضعوا عشرات القواعد العسكرية الأجنبية في بلدانهم، أصبحوا، وفق طرح المقال، عرضة للتهديدات الأمنية، بينما تقصف إسرائيل أهدافًا في المنطقة ولا تستطيع بعض الأطراف الرد إلا في حدود ما تسمح به حساباتها وتحالفاتها.

ومن طلبوا الرزق من البيت الأبيض، وربطوا مصالحهم بالدولار والأسواق الخارجية، أصبحوا عرضة لضغوط اقتصادية، من بينها تقييد إمدادات الأسمدة وغيرها من السلع، وفرض الرسوم الجمركية، والتحكم في وجهات الاستيراد والتصدير.

ومن طلبوا الشرعية من البيت الأبيض، وجدوا أنفسهم أمام مواقف تُوجَّه إليهم فيها الإهانات علنًا، ويُطلب منهم التصفيق لصاحب القرار، في وقت بالغ الصعوبة للمسلمين وغير المسلمين على حد سواء.

فلم يكن موطن الضعف، وفق هذا الطرح، مجرد قوة الخصم، بل كان أيضًا في التخلي عن مصادر العزة والاستقلال.

الفصل الخامس: اللقاح الإسلامي.. خمس جرعات ضد جنون العظمة

لم يقدّم الإسلام علاجًا بالمعنى الطبي، بل وضع منظومة أخلاقية وروحية تحدّ من الكبر والاستعلاء، وتقوم على خمس ركائز:

1. التوحيد

«لا إله إلا الله» تعني أن العظمة المطلقة لله وحده، وأن الإنسان لا ينبغي أن يتأله أو يستكبر على الآخرين. وهذا المبدأ يواجه النرجسية من جذورها.

2. الصلاة

خمس مرات في اليوم، يضع المسلم جبهته على الأرض ويقول: «سبحان ربي الأعلى». فكيف يستقيم هذا الخضوع لله مع التكبر على خلقه؟

3. الزكاة

تذكّر الإنسان بأن المال أمانة، وأنه مستخلف فيه، وأن عليه حقوقًا للآخرين. وهي بذلك تواجه الغرور بالثروة، وتذكّر بقول الله تعالى على لسان قارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِنْدِي﴾.

4. الشورى

قال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾.

فلا ينبغي أن يتحول القرار الفردي أو مزاج شخص واحد إلى مصير أمة بأكملها. والشورى مبدأ يحدّ من الاستبداد والانفراد بالسلطة.

5. محاسبة النفس

كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه مثالًا يُستشهد به في العدل ومراجعة النفس. أما الإنسان المتكبر، فينشغل بمحاسبة العالم من حوله، ولا يراجع نفسه أو يعترف بأخطائه.

الخاتمة: الاتحاد قوة

المشكلة ليست في أننا لسنا خير أمة، بل في أننا تخلّينا عن بعض ما يجعلنا أهلًا لهذه الخيرية.

تضم أوروبا 27 دولة تختلف في لغاتها وثقافاتها، ومع ذلك أقامت أطرًا للتعاون والتكامل. أما نحن، فنقترب من 1.9 مليار مسلم يجمعهم كتاب واحد وقبلة واحدة، لكننا ما زلنا نعاني التفرق والانقسام.

وتتمثل إحدى المفارقات الكبرى، بحسب رؤية المقال، في أن الولايات المتحدة، التي تدعم إسرائيل، تمارس نفوذًا واسعًا في المنطقة، بما فيها المملكة العربية السعودية، أرض الحرمين الشريفين، التي يقصدها المسلمون من مختلف أنحاء العالم لأداء مناسك الحج والعمرة والتوجه إلى الله بالدعاء في الأماكن المقدسة.

فكيف يمكن أن يختل التوازن الإقليمي حين يمتد النفوذ الأمريكي إلى القرارات السياسية والأمنية لحكام السعودية وغيرهم من القادة العرب؟

ويرى المقال أن القيادة الإسرائيلية، التي يصفها الكاتب بالنرجسية، سعت إلى توظيف نفوذها للتأثير في الحكام العرب والمسلمين، وإقناعهم بالاصطفاف مع الولايات المتحدة وإسرائيل، حتى لو أدى ذلك إلى تعميق الخلافات مع دول إسلامية أخرى.

وعندما تتحول الصراعات إلى تنازع على الشرعية والنفوذ، فقد تتسع الخلافات داخل الدول الكبرى نفسها، وتزداد التدخلات الخارجية في شؤون الشعوب، وتُستغل الانقسامات لإشعال الصراعات بين المسلمين وغير المسلمين، وبين السنة والشيعة.

وفي النهاية، قد يُوصَف من يدعو إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالتطرف أو الإرهاب، حتى داخل بعض المجتمعات الإسلامية، وهو ما قد يؤثر في وعي الأجيال الجديدة. لكن التمسك بالنبوة والشريعة والقيم الإسلامية يظل، في نظر الكاتب، مصدرًا للصمود والثبات، فالله أكبر، والحق أولى بالنصرة.

إن الحل لا يبدأ من البيت الأبيض، بل يبدأ من بيتك:

ألّا تصفّق للباطل.

أن تفضّل شراء منتجات أخيك المسلم متى كان ذلك ممكنًا ومناسبًا، في إطار التعاون الاقتصادي والتكافل.

أن تقول للظالم: «أنت ظالم»، ولو بكلمة حق.

قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾.

تفرّقنا، فذهبت ريحنا، وأصبحنا أكثر عرضة للضغوط الخارجية.

وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

فمن طلب العزة من الله، أعزّه الله ولو كان فقيرًا، ومن طلبها من البيت الأبيض، عرّض نفسه للذل ممن يهينه، ولو كان يملك النفط والغاز والثروات.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z