فيصل الحشار.. السندباد العُماني

 

 

 

ريتّا دار

[email protected]

 

 

في مكانٍ ما من هذا العالم، كان رجلٌ يستيقظ صباحًا، يرتدي ملابسه، ويذهب إلى عمله، ليعود مساءً، ويمارس حياته كما يفعل ملايين البشر الذين تجمعهم علاقة طويلة ومُعقدة مع المنبّه.

كان كل شيء يسير على ما يرام، أو هكذا يُفترض؛ فالرجل أمضى سنوات في العمل بالقطاعين الحكومي والخاص، وأدّى ما عليه من واجبات، حتى بلغ التقاعد؛ تلك المرحلة التي ينتظرها البعض بفارغ الصبر. وكان من المفترض أن تبدأ الحكاية هنا نهايتها السعيدة.

يشتري الرجل كرسيًا مريحًا، ويجلس أمام منزله، مراقبًا أحوال الطقس، ويصبح خبيرًا في شؤون الحارة التي يقطنها، يعرف مواعيد خروج الجيران وعودتهم، ويُقدّم نصائح مجانية لم يطلبها أحد.

لكنَّ شيئًا ما حدث.

صورة داخل النص.jpeg
 

ففي الوقت الذي كان يُفترض فيه أن يبحث عن ذلك الكرسي المريح، كان فيصل الحشار، المُغامر العُماني، يبحث عن قارب شراعي! ولا أعرف كيف توصّل إلى هذه الفكرة، ولا ما الذي دار في رأسه لحظتها، لكنني أتخيل أنَّ أحدهم سأله عن خططه بعد التقاعد، فأجابه بأنه ينوي السفر قليلًا.

ولم يخطر ببال السائل، على الأرجح، أن كلمة «قليلًا» قد تشمل الإبحار من السويد إلى تونس!

هكذا بدأت حكاية رجل قرَّر أن يضع بينه وبين الروتين عدة بحار، وأن يستبدل بالأرض الثابتة سطحًا يتحرك تحت قدميه، وبسقف منزله سماءً لا يملك التحكم في مزاجها.

اختار قاربًا شراعيًا بطول يقارب ثلاثة عشر مترًا، وبدأ الاستعداد لرحلة لا يمكن إلغاؤها ببساطة لأنَّ المرء استيقظ صباحًا ولم يكن في مزاج مناسب.

ثلاثة عشر مترًا فقط تفصله عن الماء. وأنا شخصيًا لا أشعر بالاطمئنان إذا تحرك الكرسي الذي أجلس عليه سنتيمترين، فكيف برجل اختار طوعًا أن يعيش فوق سطح مائي يتمايل طوال الوقت، ولا توجد فيه خدمة عملاء يمكن الاتصال بها عند حدوث مشكلة؟

لكن الحشار لم يكن يخطط لنزهة عابرة. فقد درس مساره، وجهّز قاربه، واهتم بمعدات السلامة والملاحة، واستعد لمواجهة تقلبات الطقس، ثم انطلق.

وأحب أن أتوقف قليلًا عند كلمة «انطلق»؛ لأنها كلمة صغيرة، لكنها تمثل المشكلة الأساسية في حياة كثيرين منَّا.

فنحن بارعون في التخطيط. نشتري الدفاتر، ونكتب الأهداف، ونشاهد مقاطع عن النجاح، ونختار الموسيقى المناسبة لبداية مشروعنا، وربما نصمم شعارًا له قبل أن نعرف ما هو المشروع أصلًا.

ثم ننتظر.

ننتظر الوقت المناسب، والظروف المناسبة، والحالة النفسية المناسبة، وارتفاع مستوى الحماس إلى درجة تسمح لنا بالنهوض عن الأريكة.

أما الحشار فقد أنهى مرحلة التخطيط وارتكب الفعل الذي نتجنبه جميعًا: بدأ.

ومع بداية الرحلة، لم يعد البحر مجرد لون أزرق جميل في الصور. صار عالمًا كاملًا من الرياح والتيارات والمسارات البحرية والموانئ والقرارات التي ينبغي اتخاذها في وقتها.

أبحر الرجل عبر محطات أوروبية عديدة، وقاد قاربه منفردًا خلال أجزاء طويلة من الرحلة، حتى وصل إلى تونس.

ولم يكن البحر، بطبيعة الحال، موظف استقبال لطيفًا يرحب بالضيوف ويقدم لهم المشروبات الباردة.

البحر، في معظم الأوقات، سيئ المزاج، سريع الغضب، ولا يحتاج إلى سبب مقنع لافتعال مشكلة. قد يستقبلك صباحًا بوجه هادئ، ثم يقرر بعد الظهر أنك شخص غير مرغوب فيه، فيقلب الدنيا فوق رأسك دون سابق إنذار. والأسوأ أنه لا يعتذر حين يهدأ، بل يتصرف وكأنَّ شيئًا لم يحدث، وكأنك أنت من بالغ في رد فعله.

لا يهتم بسنّك، ولا بسيرتك المهنية، ولا بعدد السنوات التي أمضيتها في العمل. لا يمكنك إقناعه بأنك تستحق معاملة خاصة لأنك متقاعد، ولا تستطيع أن تطلب منه تأجيل العاصفة إلى الأسبوع المقبل لأن لديك التزامات.

باختصار سوء مزاج البحر يصل لدرجة انعدام احترامه لأي اعتبارات بشرية.

ومع ذلك، لم يتعامل الحشار مع المغامرة باعتبارها مسابقة لإثبات أنه أكثر عنادًا من الطبيعة.

عندما احتاج عبور خليج بسكاي، المعروف بظروفه البحرية الصعبة، إلى مساعدة إضافية، استعان بطاقم. وعندما جاء الشتاء، توقّف قبل أن يستأنف رحلته.

وهنا تحديدًا تظهر واحدة من أجمل تفاصيل حكايته؛ فالرجل الذي امتلك الشجاعة ليبحر وحده، امتلك أيضًا الحكمة ليعرف متى ينبغي التوقف عن تحدي البحر، خاصة حين لا يكون في مزاج يسمح بالنقاش.

وهذا درس يستحق أن يُكتب على أبواب بعض الشركات، وفي مقدمات بعض العلاقات العاطفية، وربما على جباه عدد من الأشخاص الذين يعتبرون التراجع إهانة شخصية.

فليست البطولة أن تواجه العاصفة وأنت تصرخ بأنك لا تخاف الموت، خصوصًا أن الموت قد يأخذ كلامك على محمل الجد. البطولة أحيانًا أن تنتظر تحسُّن الطقس، وتُراجِع مُعدَّاتك، وتطلب المساعدة دون أن تشعر بأن كرامتك البحرية قد تعرَّضت للإهانة.

لكن دعونا نترك البحر قليلًا، ونعود إلى اليابسة؛ حيث يعيش معظمنا مغامراته اليومية في مواجهة ازدحام المرور وفواتير الكهرباء ورسائل البريد الإلكتروني.

لدينا هنا نظام غير مكتوب لتوزيع الأحلام حسب العمر.

في العشرين، يُسمح لك بأن تحلم، بشرط ألا تنسى مستقبلك.

في الثلاثين، عليك أن تكون قد بدأت تحقيق شيء من تلك الأحلام، وإلّا أصبحت موضع قلق العائلة.

في الأربعين، يُفضَّل أن تتوقف عن تغيير رأيك، لأن المجتمع بدأ يعتاد النسخة الحالية منك.

وفي الخمسين، إذا أعلنت أنك تريد تعلُّم مهارة جديدة أو خوض تجربة غير مألوفة، فقد يَنظر إليك المحيطون بك بقلقٍ، ويسألون إن كنت تمُر بأزمة منتصف العمر.

أما بعد التقاعد، فمن الأفضل ألا تفاجئ أحدًا بأي شيء، باستثناء نتائج الفحوص الطبية.

ثم يأتي فيصل الحشار ويقلب هذا الجدول رأسًا على عقب!

لم يسأل الحشار أحدًا إنْ كان العمر مناسبًا للمغامرة، ولم ينتظر تصريحًا اجتماعيًا يسمح له بأن يبدأ فصلًا جديدًا من حياته.

والغريب أننا، رغم كل هذا التقدم الذي حققته البشرية، ما زلنا نُربِّي أبناءنا على الخوف من المجهول، ثم نستغرب أنهم لا يكتشفون شيئًا جديدًا.

نشتري للطفل لعبة تركيب، ونراقبه بفخر وهو يحاول اكتشاف طريقة عملها، ثم نكبر معه قليلًا، فنبدأ بإعطائه التعليمات: ادرس هذا التخصص، وابحث عن تلك الوظيفة، ولا تغامر بمالك، ولا تترك عملك، ولا تثق بالغرباء، ولا تذهب إلى مكان لا تعرفه. وإذا سأل عن السبب، أخبرناه بأننا نريد مصلحته، وهي عبارة تصلح لإغلاق أي نقاش منذ اختراع الأبوة.

وبحلول الخامسة والعشرين، يكون قد تعلم كيف يتجنَّب الأخطاء أكثر مما تعلم كيف يعيش. يعرف أسعار التأمين، وشروط القروض، ومخاطر الاستثمار، لكنه لم يختبر بعد شيئًا يستحق أن يرويه لأحفاده، باستثناء حادثة تأخر راتبه ثلاثة أيام.

وأخشى أن يكون فيصل الحشار قد أفسد علينا هذا النظام التربوي المُتقن!!

فالرجل لم يكتفِ بمخالفة التعليمات المُتعلِّقة بالعُمر والتقاعد، بل ارتكب مخالفة إضافية: أثبت أن الإنسان يستطيع أن يبدأ مغامرة جديدة بعد أن يكون قد أمضى الجزء الأكبر من حياته في مغامرات أخرى أقل إثارة، مثل الاجتماعات الإدارية ومراجعة المعاملات والالتزام بالدوام في العمل.

والمزعج في أمثاله أنهم يسلبوننا أعذارنا المفضلة؛ فحين نرى شابًا يحقق إنجازًا استثنائيًا، نستطيع القول إنَّ الشباب يتمتعون بالطاقة والوقت، وإننا لو عدنا إلى أعمارهم لفعلنا أشياء عظيمة، ثم نعود إلى مشاهدة التلفاز بضمير مرتاح.

لكن ماذا نفعل مع رجل يبدأ مغامرته بعد التقاعد؟

لا يمكننا أن نتهمه بصغر السن، ولا بقِلة المسؤوليات التي عرفها في حياته، ولا حتى بأنه لم يذق مرارة الاستيقاظ للعمل كل صباح.

لقد استنفد الرجل معظم الأعذار التي نستخدمها، ثم أخذ قاربه ورحل، تاركًا لنا مهمة البحث عن أعذار جديدة.

وربما كان عليه أن يعتذر عن ذلك.

على أي حالٍ، فإن عُمان ليست غريبة عن هذا النوع من الرجال. فقد عرف أهلها البحر منذ قرون، حين كان الإبحار يتطلب معرفة بالنجوم والرياح والتيارات المائية، لا مجرد هاتف مشحون وتطبيق يُخبرك بأن وجهتك باتت "على بُعد أربعين دقيقة"، مع احتمال تأخير بسبب الازدحام.

كانت السفن العُمانية تمضي إلى موانئ بعيدة، تحمل البضائع وتعود بالحكايات، وتترك خلفها أثرًا في مدن وشواطئ لا تزال تحتفظ بشيء من ذلك التاريخ.

وأحب أن أتخيل أن البحر، الذي اعتاد رؤية السفن العُمانية تعبر مياهه، فوجئ ذات يوم بقارب صغير يقوده رجل من عُمان، فظن أن أحد البحارة القدامى عاد ليتفقد الطرق التي تركها أجداده.

غير أن البحّار هذه المرة لم يكن يحمل اللُبان ولا التمور العُمانية، ولم يكن في طريقه إلى عقد صفقة تجارية لشراء التوابل والأقمشة. كان يحمل حلمًا شخصيًا، وبعض المؤن، ومعدات الملاحة، وكمية من العناد تكفي لعبور أكثر من حدود دولة.

وهكذا وصلنا إلى السندباد العُماني.

ذلك الرجل الذي أرهق البِحَار برحلاته، وأرهق أجيالًا من الأطفال بحكاياته، قبل أن يصبح اسمه مرادفًا لكل من يقرر مغادرة المكان المألوف بحثًا عمَّا لا يعرفه.

لكنني أتساءل كيف كان السندباد سيتصرف لو عاش في عصرنا.

أغلب الظن أنه كان سيحتاج أولًا إلى استخراج مجموعة من التصاريح، وشراء تأمين شامل، والتأكد من صلاحية جواز سفره، ثم قضاء أسبوع كامل في قراءة شروط وأحكام شركة الاتصالات لمعرفة إن كانت باقة التجوال تشمل الجزر التي لم تُكتشف بعد.

وربما كان سيؤجل إحدى رحلاته لأن شركة الشحن تأخرت في تسليم الحبال.

أما أصدقاؤه، فلا بُد أنهم كانوا سيحاولون ثنيه عن المغامرة.

سيخبره أحدهم أن البحر خطر، ويقترح عليه آخر أن يفتح متجرًا صغيرًا، بينما ينصحه ثالث باستثمار أمواله في العقارات بدلًا من إنفاقها على سفينة قد تغرق.

ولعل السندباد كان سيستمع إليهم جميعًا، ويشكرهم على اهتمامهم، ثم يُبحر على أي حال.

وهو ما يُعيدني إلى فيصل الحشار.

فما يثير إعجابي في حكايته ليس فقط أنه قطع هذه المسافات؛ بل إنه لم يسمح لكل الاحتمالات السيئة التي قد تحدث بأن تمنعه من اختبار الاحتمالات الجميلة التي قد تحدث أيضًا.

والأهم أنه لم يذهب إلى البحر ليُبرهن أنه لا يخاف؛ فالخوف في عرض البحر ليس عيبًا، بل قد يكون آخر ما تبقى للإنسان من حُسن التقدير. ومن لا يخاف إطلاقًا، يُستحسن أن يُفحص قبل السماح له بقيادة أي شيء، ولو كانت عربة تسوق!

لقد عَرِف الحشار متى يُبحر، ومتى ينتظر، ومتى يستعين بآخرين. وربما لهذا تبدو مغامرته أكثر إثارة للاهتمام من تلك البطولات التي تبدأ بتجاهل جميع التحذيرات، وتنتهي بحضور فرق الإنقاذ.

ولستُ أعرف كم شابًا سيقرأ حكايته ويفكر جديًا في تجربة شيء جديد، لكنني أتمنى أن يكون بينهم شاب واحد على الأقل أغلق ملف الأعذار الذي يحتفظ به منذ سنوات.

ولا يشترط أن يشتري قاربًا؛ فالعالم لا يحتمل هذا العدد من البحارة المُبتدئين دفعة واحدة، كما أن الموانئ ليست مُستعدة لاستقبال جيلٍ كاملٍ قرر فجأة أن يجد ذاته في عرض البحر.

يكفي أن يفعل شيئًا ظل يؤجله طويلًا.

أن يجرّب، ويخطئ، ويتعلم، ثم يُعيد المحاولة دون أن يعتبر الخطأ فضيحة عائلية تستوجب تدخل الأقارب.

وإذا فشل، فليكن لديه على الأقل قصص مثيرة يحكيها.

فثمَّة فرق بين إنسان يعود من مغامرة لم تنجح، وإنسان لم يغادر مكانه قط، ثم يقضي بقية عمره يشرح للآخرين لماذا لم تكن المغامرة فكرة جيدة.

واللافت أن وصول الحشار إلى تونس لم يُغلق دفتر الرحلات، فما زالت لديه وجهات أخرى يطمح إلى استكشافها في البحر الأبيض المتوسط.

وأجد في هذا التفصيل شيئًا طريفًا؛ فبينما ينهي معظم الناس رحلة طويلة بالقول إنهم لن يكرروا هذه التجربة ما داموا أحياء، يبدو أن الحشار وصل إلى وجهته وبدأ يفكر في الوجهة التالية.

كأن البحر، بكل تقلباته ومفاجآته، لم ينجح في إقناعه بأن المنزل مكان لطيف يستحق البقاء فيه.

وأظن أن هذا أكثر ما سيزعج البحر في الأمر؛ فهو معتاد على أن يخرج الناس من مواجهته مرهقين، ممتنين لوجود أرض ثابتة تحت أقدامهم، ومستعدين لتقبيل أول رصيف يصلون إليه.

أما أن يصل إليه مُغامر من عُمان، يعبر مياهه، ثم يبدأ التخطيط للعودة إليه، فهذه إهانة شخصية لمزاج البحر المتقلب.

وأتمنى أن نسمع عن رحلات أخرى لهذا السندباد العُماني، وأن تصل حكايته إلى أكبر عدد ممكن من الشباب، لا بوصفها قصة رجل استثنائي يصعب تقليده، بل قصة إنسان قرر أن يعيش شيئًا كان يستطيع الاكتفاء بالحلم به.

أما أنا، فقد أصبحت بعد قراءة حكايته في موقف محرج للغاية؛ فكنت وعدت نفسي منذ أشهر بأن أبدأ ممارسة الرياضة، وأن أتعلم شيئًا جديدًا، وأن أنتهي من ترتيب خزانتي التي أصبحت تضم مقتنيات لا أتذكر متى اشتريتها، وربما لا أتذكر العصر التاريخي الذي تنتمي إليه.

لكنني كنت أنتظر الوقت المناسب.

والآن جاء العم فيصل الحشار وأفسد عليّ هذه الحُجة؛ فالرجل وجد وقتًا للإبحار من السويد إلى تونس، بينما لم أجد أنا عشر دقائق لترتيب درج صغير.

وقد حاولت الدفاع عن نفسي بأنَّ لكل إنسان ظروفه، وأن المقارنة غير عادلة، وأن الرحلات البحرية تختلف جذريًا عن الأعمال المنزلية. ثم أدركت أنني أهدرتُ وقتًا في إعداد هذا الدفاع، يكفي لترتيب الدرج مرتين.

لهذا قررتُ أخيرًا أن أبدأ. ليس اليوم بالطبع، فقد كان يومًا طويلًا، وأنا متعبة قليلًا.

لكن غدًا بالتأكيد. إلا إذا كان الطقس غير مناسب.

فأنا، على خلاف السندباد العُماني، أحترم الظروف الجوية احترامًا شديدًا، حتى حين أكون داخل المنزل!

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z