سعود بن راشد الرحبي
يشهد النظام الدولي تحولات متسارعة يُعاد فيها تشكيل النظام الدولي، ولا تقتصر على تنافس القوى الكبرى بل تشمل أيضا تنامي دور القوى المتوسطة والدول الصاعدة التي تسعى جاهدة بخطى حثيثة إلى بناء شراكات جديدة، وتنسيق مواقفها حول قضايا التعددية والتنمية وإصلاح المؤسسات الدولية وتعزيز التعاون في شتى المجالات.
هذه القوى لا تنتظر أن يحدد الآخرون مستقبلها، إنما تبني شراكتها وترتب مواقفها لكسب مساحة أكبر من النفوذ في نظام عالمي يشهد تشرذما متصاعدا. وهذا ما وضح جليًا في عدد وشكل المبادرات التي طُرحت على هامش الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة حاليًا خلال الفترة من 22 إلى 28 سبتمبر الجاري في نيويورك، تحت شعار "إعادة بناء الثقة وإدارة التحولات: أمم متحدة تخدم الجميع"؛ حيث ظهرت عدة منصات ومبادرات تعاونية جديدة.
ولعل من أبرز تلك المبادرات ما يلي:
أولًا: منصة "شراكة التعددية": نموذج لتحالف الشمال والجنوب. من أبرز الآليات الجديدة في هذه الدورة، وتعرف اختصارا بـ"P4M" بمشاركة الاتحاد الأوروبي والهند والبرازيل وأستراليا وكندا وكينيا وباربادوس، وتهدف الى دعم وتقوية النظام المتعدد الأطراف القائم على ميثاق الأمم المتحدة، مع التأكيد على أهمية إصلاحه ليكون أكثر فعالية وتمثيلًا وشمولًا. وتقدم نفسها بأنها "منصة مفتوحة لجميع الشركاء من كل المناطق في العالم لديهم الإرادة الراسخة، والالتزام بالمبادئ والقيم المشتركة، والسعي الى حلول ملموسة". وقد أشار رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا إلى أن المقصود ليس إنشاء كيان بديل، بل أن يكون " شبكة للحوار وبناء التحالفات والتعاون، وبلغ عدد الدول الموقعة على الإعلان المذكور 16 دولة، الأمر الذي يؤكد أن للمنصة إمكانات توسعية في المستقبل.
ثانيًا: (V4+India): تجربة وليدة لتعاون القوى المتوسطة، وهي إطار تعاوني يضم الهند مع مجموعة فيشغراد الأربع (سلوفاكيا، بلوندا، التشيك، المجر)؛ بهدف إيصال بعض اهتمامات الجنوب العالمي الى الاجندة الدولية، وجرى عقد اجتماعه الأول على مستوى وزراء خارجية البلدان المذكورة في 21 سبتمبر 2026، ونوقشت مجالات التعاون المشتركة؛ حيث أعربوا عن دعمها لعضوية الهند الدائمة في مجلس الامن الدولي، كما دعمت الهند وسلوفاكيا بعضهما البعض في انتخابات العضوية غير الدائمة لمجلس الامن للفترة (2028- 2029)، كما اتفقت الدول الخمس على إطار تعاون منتظم بما في ذلك اجتماعات سنوية لوزراء الخارجية، ومنتدى اعمال سنوي.
ثالثًا: التحالف العالمي ضد الجوع والفقر: التحول من التعهد إلى التنفيذ. نُظمت فعالية رفيعة المستوى تحت عنوان "أربع سنوات متبقية: تسريع العمل بشأن الجوع والفقر"، وهو برنامج تعاوني تأسس عام 2024؛ بهدف تطوير مقترحات للحد من الفقر وعدم المساواة. ونما عدد أعضائه ليصل إلى 218 عضوًا، ويشمل دولًا ووكالات أممية ومؤسسات بحثية من جميع القارات، ويركز على تحويل الالتزامات السياسية إلى تنفيذ عملي من خلال دعم الخطط الوطنية للدول، وتمكنت من تنفيذ 21 مشروعا في 19 دولة.
رابعًا: حوكمة الذكاء الاصطناعي: توافق وخلافات. واعتمدت 22 دولة إعلانًا يؤكد أن "الذكاء الاصطناعي يجب أن يبقى تحت التوجيه والاشراف والسيطرة البشرية"، واقترح إمكانية استكشاف إنشاء آلية رقابة عالمية على غرار الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ودعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في المناقشة العامة إلى إنشاء "إطار متعدد الأطراف لإدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي مدعوم برقابة موثوقة ومستقلة"، وحث الدول الرائدة تقنيًا على "تعزيز الحوار والشفافية والثقة والتعاون" وحذر قائلا: "الخطر ليس في التقنية، الخطر في التقنية بلا مساءلة".
الخلاصة.. إنَّ هذه التحالفات ذات الصفة الدولية التعاونية ورغم اختلافها في الأهداف والتأسيس، تشير إلى اتجاه مهم أنَّ الشراكات المرنة باتت إحدى الأدوات الفاعلة التي تستخدمها الدول لتعزيز قدرتها على الحوار والتأثير والمساهمة في صياغة الأجندة الدولية، ومن هذا المنطلق يمكن التفكير أيضاً في دور عربي أكبر وأكثر تنسيقًا، بحكم امتلاكها إمكانيات مؤثرة تؤهل الدول العربية لبناء إطار تعاون يمثل مصالح المنطقة، وقادر على التأثير في الملفات الدولية.
