المظاهرات الفرنسية.. إلى أين؟

 

 

 

مسعود أحمد بيت سعيد

[email protected]

 

تكتسب المظاهرات الجماهيرية الطلابية والعمالية، التي شملت مُعظم المدن الفرنسية، أبعادًا استثنائية، كونها تحدث في البلد الذي تصل فيه التناقضات الطبقية إلى حدها الأعلى، والتي شكلت إحدى سمات المُجتمع الفرنسي على مدى قرون من الزمن، وتركت آثارًا عميقة في مجمل التحولات السياسية في القارة الأوروبية كلها؛ فمنها انطلقت الثورة الفرنسية عام 1789، التي دشنت مرحلة الثورة السياسية البرجوازية، مرورًا بكومونة باريس عام 1871، التي أذنت بفجر الثورة الاشتراكية، وصولًا إلى انتفاضة مايو الطلابية عام 1968.

وظل الصراع الاجتماعي أحد العناصر الأساسية التي طبعت الحياة السياسية الفرنسية. غير أنَّ استحضار هذه المحطات التاريخية لا يعني افتراض تكرارها بشكل ميكانيكي، بل يهدف إلى فهم أعمق لحجم التناقضات الاجتماعية في ظل السيطرة الرأسمالية. وترتبط الاحتجاجات الراهنة بتداخل المطالب المباشرة للحركة الطلابية، وهمومها ومشكلاتها، مع أسئلة أوسع تتعلق بالأجور والأسعار والبطالة، وغيرها من القضايا التي تلامس أسس البنية الرأسمالية الاقتصادية والسياسية. كما تثير، بشكل أدق، مسألة العلاقة بين الديمقراطية السياسية والديمقراطية الاقتصادية؛ فوجود المؤسسات السياسية الليبرالية وعموم المكتسبات الديمقراطية، على أهميتها، لم يُلغ التمايز الطبقي والظلم الاجتماعي. وبقدر ما تبرز الاحتجاجات أهمية المكتسبات الديمقراطية التي تتيح هوامش واسعة من حرية الرأي والتعبير والانتظام النقابي والسياسي، وتوفر مظلة قانونية لكافة أشكال النضال السلمي الديمقراطي بوصفها إحدى ثمار الديمقراطية البرجوازية؛ بل أعظم منجزاتها، فإنِّها تعيد طرح إشكالية مركزية في الفكر السياسي، تتمثل في العلاقة بين العفوية والتنظيم، ومدى إمكانية حسم القضايا الاستراتيجية بالوسائل السلمية والقانونية.

الحركة الجماهيرية العفوية تستطيع أن تُضيء على مواقع الاضطهاد الطبقي الرأسمالي وطبيعته الاستغلالية، وتربك مؤسساته، وقد تؤثر سريعًا في الفئات الاجتماعية وتدفعها نحو ميدان الصراع الاجتماعي. لكنها تواجه، في المقابل، صعوبات في الحفاظ على زخمها، والتوفيق بين مطالب مختلف الشرائح والفئات الشعبية، ولا سيما حين تختلف مواقعها الطبقية ومصالحها وتصوراتها الأيديولوجية. ورغم هذه الاحتمالات، فإن ما يجري في فرنسا له دلالات خاصة، فضلًا عن بُعده العالمي. ومن هنا يبرز سؤال جوهري: هل تستطيع الحركات الشعبية العفوية التحول إلى قوة منظمة قادرة على إحداث تغييرات جذرية في علاقات السلطة والإنتاج، أم ستظل موجات احتجاجية متعاقبة يمكن للمؤسسات البرجوازية قمعها أو احتواؤها عبر تنازلات جزئية، من دون مُعالجة أسبابها البنيوية؟

بطبيعة الحال، لا يُمكن حسم هذا السؤال مسبقًا؛ إذ يتوقف المسار على عوامل عدة، أبرزها طبيعة القيادة، ومستوى الوعي والتنظيم، وسير تطور الحركة، وأفقها السياسي والأيديولوجي. من هنا، ينبغي قراءة المظاهرات الشعبية في ضوء التناقضات الاجتماعية والسياسية التي تغذيها، من دون الوقوع في النزعة المتعجلة التي ترى في مثل هذه الظواهر دليلًا حاسمًا على اقتراب تحولات اجتماعية كبرى، ولا في النزعة التي تختزلها في اضطراب عابر. ولعل المهمة التي تتحدد بين هاتين النزعتين تكمن في التحليل العلمي الموضوعي للجذور المادية للصراعات الاجتماعية، ودور القوى الاجتماعية وحدودها في عملية التغيير الاجتماعي، وفهم الشرط التاريخي والانتقالي لتحول الظاهرة العفوية إلى فعل واع ومنظم.

وبهذا المعنى، فإن الاحتجاجات الفرنسية، بقدر ما تطرح قضايا مطلبية آنية، فإنها تعيد طرح إشكالية جدلية مركبة تتمحور حول العلاقة بين الأزمة الرأسمالية وتغولها وطغيانها، وأزمة النقيض التاريخي. أما آفاق هذه الظاهرة الاحتجاجية، فستكشف عنها صيرورة الأحداث المقبلة.

الأكثر قراءة

z