تقارب نسب الشباب العُماني والوافد.. إلى أين تتجه البوصلة؟

 

 

 

حمود بن علي الطوقي

 

أكتب هذا المقال ونحن على موعد مع الاحتفال بيوم الشباب العُماني، الذي يصادف السادس والعشرين من أكتوبر من كل عام؛ وهي مناسبة نحتفي فيها بطاقات شبابنا وإنجازاتهم، ونجدد معها مسؤولية الإصغاء إلى تطلعاتهم، ومراجعة ما تحقق لهم في التعليم والتأهيل والعمل. ومن هذا المنطلق، استوقفتني أرقام عن أعداد الشباب في سلطنة عُمان، رأيت أنها تستحق أن تكون مدخلًا لنقاش حول موقع الشباب العُماني في مسيرة التنمية، ومدى قدرتنا على تحويل طاقاته إلى مشاركة فاعلة في بناء المستقبل.

توقفت طويلًا وأنا أقرأ بيانات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات، التي أظهرت أنَّ عدد الشباب في سلطنة عُمان، ضمن الفئة العمرية من 18 إلى 29 عامًا، بلغ مليونًا و38 ألفًا و715 شخصًا في عام 2025، من بينهم 538 ألفًا و491 عُمانيًا وعُمانية، يشكّلون نحو 52 بالمائة من إجمالي هذه الفئة العمرية.

وبحساب الفارق، يبلغ عدد غير العُمانيين في الفئة نفسها 500 ألف و224 شخصًا؛ أي نحو 48 بالمائة، وهو تقارب يثير تساؤلات عن توازن التركيبة الشبابية، خصوصًا أننا نتحدث عن سنوات التعليم والتأهيل والدخول إلى سوق العمل وبناء الأسرة، وهي سنوات تتشكل فيها علاقة الإنسان بالإنتاج والمشاركة في التنمية. ومع ذلك، فإنَّ النسب السكانية وحدها لا تكشف حجم المنافسة على الوظائف، ما لم نعرف واقع هذه الفئة وتوزيعها بين الدراسة والعمل وغيرهما.

ومن باب الإنصاف للشباب العُماني، فإنَّ هذا التقارب يطرح أسئلة تستحق إجابات واضحة: ما حجم مساهمة الشباب الوافد في التنمية؟ وما المهارات والخبرات التي يضيفها إلى سوق العمل؟ وإلى أي مدى يُلبي احتياجات هذا السوق، أو ينافس الشباب العُماني على فرص تتوافر لديهم المؤهلات والقدرات اللازمة لشغلها؟

والسؤال الجوهري هنا: أين يقف شبابنا اليوم؟ كم منهم على مقاعد الدراسة والتدريب؟ وكم منهم يعمل في القطاعين الحكومي والخاص؟ وكم منهم يدير مشروعًا؟ وكم منهم يبحث عن عمل، وكم طالت فترة انتظاره؟ وأين يجد المبتكرون وأصحاب الدرجات العلمية والشهادات المهنية الدولية فرصهم؟ وفي المقابل، كيف يتوزع الشباب غير العُمانيين بين العمل والتعليم والإقامة مع أسرهم؟ وما القطاعات والمهن التي يعملون فيها، وما مستويات تأهيلهم وخبراتهم؟ إنَّ الإجابة عن هذه الأسئلة تمنح الأرقام معناها، وتساعد على تحديد الاحتياجات والفرص.

ما يشغلني وأنا أقرأ هذه الأرقام هو مدى قدرة اقتصادنا على استيعاب طاقات الشباب العُماني، وتحويل ما أُنفق على تعليمه وتأهيله إلى مشاركة منتجة؛ فالحصول على وظيفة خطوة أساسية، لكن نوعية الوظيفة وأجرها واستقرارها وفرص التطور فيها لا تقل أهمية. نريد أن نعرف أين يعمل الشاب العُماني، وما المسؤوليات التي يتحملها، وهل يجد مسارًا يُتيح له اكتساب الخبرة والتقدم إلى مواقع القيادة وصنع القرار.

وتزداد أهمية هذه الأسئلة مع توقع وصول عدد الشباب العُمانيين بين 18 و29 عامًا إلى 914 ألفًا و609 أشخاص بحلول عام 2040. وهذا التقدير، المرتبط بافتراضات الإسقاط السكاني، يضع أمامنا مسؤولية الاستعداد من اليوم؛ في التعليم والتدريب، وفي الاستثمار الذي يخلق وظائف منتجة، وفي توزيع الفرص على المحافظات؛ فالشباب الذين سيطرقون أبواب سوق العمل في السنوات المقبلة يحتاجون إلى تخطيط يسبق وصولهم، ويربط تخصصاتهم ومهاراتهم بفرص حقيقية.

أتمنى أن تكون هذه الأرقام مدخلًا إلى قراءة مشتركة بين الجهات المعنية، تُترجَم إلى خطوات يشعر الشباب بأثرها في حياتهم؛ فالاحتفاء بيوم الشباب العُماني يكتسب معناه الأعمق حين يشعر الشاب بأن صوته مسموع، ومؤهلاته محل تقدير، وجهده يفتح أمامه أبواب التقدم والمشاركة في التنمية والبناء.

وهي أيضًا المرحلة العمرية التي يُقبِل فيها الشباب على الزواج وتأسيس الأسرة، ويتهيؤون لخوض معترك الحياة وتحمل مسؤولياتها. ومن هنا، فإن توفير فرص العمل والدخل المستقر يمتد أثره إلى قدرتهم على بناء أسر مستقرة، والتخطيط لمستقبلهم بثقة. فحين يجد الشاب فرصةً تحفظ كرامته وتقدّر مؤهلاته، يصبح أقدر على أن يبني بيتًا، ويؤسس أسرةً، ويسهم في بناء وطنه؛ وهذه غاية ينبغي أن تكون في صميم اهتمامنا بالشباب.

إنَّ الشباب العُماني في هذه الفئة العمرية يستحق أن تُقدَّر طاقاته، وأن تُهيَّأ له الفرص التي تليق بطموحاته؛ فهذه من أهم مراحل العمر وأكثرها قدرة على التعلّم والإبداع والعطاء. ولا ينبغي إطلاقًا أن يكون بين هؤلاء الشباب من يبحث عن عمل ولا يجد فرصة، أو تُستنزف أجمل سنوات عمره في الانتظار. فمكانهم الطبيعي في قاعات التعليم الجامعي، وميادين البحث الأكاديمي والابتكار، ومواقع العمل والإنتاج، حيث يبنون مستقبلهم، ويجنون ثمار اجتهادهم، ويعيشون أجمل لحظات الإنجاز والمشاركة في بناء الوطن. وإلى هنا يجب أن تتجه البوصلة؛ فالتقدير الحقيقي لشبابنا هو ألّا نترك طاقةً معطَّلة، ولا طموحًا معلَّقًا، ولا كفاءةً تنتظر فرصتها.

الأكثر قراءة

z