منظومة الترقية الجديدة.. حين يتحول الطموح الوظيفي إلى إحباط

 

 

 

ناصر بن سلطان العموري

لم يعد حديث الموظفين اليوم عن الترقية مجرد انتظار لزيادة في الراتب أو انتقال إلى درجة وظيفية أعلى، بل أصبح حديثًا عن شعور بالقلق والإحباط، وعن سنوات من العمل والعطاء يخشى أصحابها أن تنتهي بهم إلى الانتظار من جديد.

الترقية بالنسبة للموظف ليست رفاهية، ولا مكافأة إضافية يمكن الاستغناء عنها؛ إنها ثمرة سنوات من الخدمة، ومسؤوليات أكبر، وخبرة تراكمت، وحياة أسرية تتطلب دخلًا يتناسب مع متطلبات المعيشة المتزايدة. لكن منظومة الترقيات الجديدة تضع الموظف أمام واقع مختلف؛ فالمسار السريع، الذي يفترض أن يكون طريقًا للمتميزين، يشترط الحصول على 3 تقارير أداء بتقدير «ممتاز» وفق منظومة «إجادة»، إلى جانب مضي 3 سنوات على الأقل في الدرجة الحالية وتوافر بقية الشروط. أما المسار المرن، فيضع الموظفين أمام مفاضلة تعتمد على النقاط والأداء والكفاءة وتوافر الاعتماد المالي.

في حين أن المسار الثالث فكأنه أشبه بالمُحال، وهو: حين تصدر توصية من رئيس الوحدة أو حسب مصلحة العمل. وهنا يبدأ السؤال الذي يتردد بين الموظفين: هل أصبحت الترقية استحقاقًا وظيفيًا يصل إليه الموظف من خلال أدائه وخبرته، أم أنها أصبحت مسارًا شديد الصعوبة لا يصل إلى نهايته إلا عدد محدود؟

المشكلة ليست في تقييم الأداء؛ فلا مؤسسة يمكن أن تنجح من دون تقييم ومحاسبة وتحفيز للمجيدين لكن القلق الحقيقي يكمن في أن يتحول التقييم من أداة لتطوير الموظف وتحفيزه إلى حاجز يشعر معه بأنَّ مُستقبله الوظيفي قد يتوقف لسنوات أخرى.

وعندما يكون المخصص المالي للترقيات 10 ملايين ريال عُماني أمام أعداد كبيرة من الموظفين، فإنَّ التساؤل حول مدى اتساع دائرة المستفيدين يصبح أمرًا طبيعيًا، خصوصًا مع وجود موظفين ينتظرون دورهم منذ سنوات.

وهنا يجب أن نتوقف قليلًا؛ فالموظف الذي يشعر بأنَّ فرصته في الترقية أصبحت محدودة قد لا يخسر حافزه فقط، بل قد يتغير تدريجيًا تعامله مع العمل؛ فالإنسان حين يرى أن جهده لا يقوده إلى الأمام، قد يبدأ في طرح سؤال مؤلم: لماذا أبذل المزيد؟ ولماذا أتحمل مسؤوليات إضافية إذا كانت النتيجة واحدة؟

الترقية بالنسبة للموظف ليست مجرد زيادة مالية تضاف إلى راتبه، وإنما هي شعور بأن المؤسسة ترى جهده وتقدر سنوات خدمته وخبرته وعندما يجد نفسه أمام طريق طويل من الشروط، ثم يكتشف أن الاعتماد المالي قد يكون هو الحاجز الأخير، فمن الطبيعي أن يتسلل إليه الإحباط.

والأخطر من ذلك أن يمتد هذا الإحباط إلى الإنتاجية؛ فالموظف الذي يشعر بأن المزيد من الجهد لن يغير كثيرًا من واقعه الوظيفي، قد تتراجع لديه روح المبادرة، ويتحول تدريجيًا من موظف يبحث عن الإنجاز والتطوير إلى موظف يؤدي ما هو مطلوب منه فقط.

وهنا نخسر شيئًا لا يظهر في بنود الموازنة؛ نخسر الحماس، والإخلاص، والتفاني، والانتماء للمؤسسة.

وإذا كان تقليص أعداد الترقيات أحد الاعتبارات لضبط الإنفاق، فهذا مفهوم في ظل مسؤولية إدارة المال العام، لكن هل الوفر المالي وحده هو المعيار؟ وهل حسبنا تكلفة الموظف الذي فقد دافعيته؟ وهل حسبنا أثر ذلك على جودة العمل والإنتاجية ومستوى الخدمات التي تقدم للمجتمع؟

وهذه هي النقطة الأخطر؛ فالإنتاجية لا تُبنى بالخوف من ضياع الفرصة، وإنما بالشعور بأن الاجتهاد له قيمة، وأن العطاء يجد تقديرًا، وأن هناك أفقًا واضحًا يمكن للموظف أن يصل إليه. كما أن تضييق فرص الترقية قد يخلق حالة من المقارنة والتنافس غير الصحي بين الموظفين، خصوصًا عندما يصبح عدد الفرص محدودًا ويشعر البعض أن مستقبله الوظيفي لم يعد مرتبطًا بجهده وحده، وإنما بعوامل أخرى قد لا يملك السيطرة عليها.

الموظف ليس بندًا ماليًا فقط، وليس رقمًا في كشف الرواتب؛ إنه الإنسان الذي يحمل المؤسسة على كتفيه، ويصنع الفرق بين مؤسسة تؤدي الحد الأدنى، ومؤسسة تتقدم بأبنائها.

والموظف لا يطلب ترقية بلا استحقاق، ولا يطالب بتجاوز معايير الكفاءة، وإنما يريد أن يشعر بأن الاجتهاد له قيمة، وأن سنوات الخبرة لها وزن، وأن الطريق الوظيفي ليس مغلقًا أمامه بسبب عوامل خارجة عن إرادته.

ولعل الأهم أن تكون هناك مراجعة مستمرة لآثار منظومة الترقيات الجديدة على الموظفين، خصوصًا أولئك الذين تتراكم سنوات خدمتهم دون تقدم وظيفي، حتى لا تتحول الترقية من أداة لتحفيز الأداء إلى سبب لفقدان الدافعية.

والعمل الحكومي لا يقوم على اللوائح والأنظمة وحدها، وإنما يقوم أيضًا على النظر في الإنسان الذي يقف خلف المكتب، ويستقبل المراجع، وينجز المعاملة، ويتحمل ضغط العمل، ويعود إلى منزله بعد ساعات طويلة وهو يشعر بأنه أدى واجبه ذلك الإنسان يحتاج إلى أن يرى ثمرة جهده.

الاقتصاد في بند الترقيات قد يُحقق وفرًا في الموازنة، لكن إذا كان ثمن هذا الوفر موظفًا محبطًا، وإنتاجية أقل، وروحًا وظيفية تتراجع، فعلينا أن نسأل بصدق: هل وفرنا المال فعلًا، أم أننا فقط نقلنا التكلفة من بند في الموازنة إلى بند آخر لا يظهر فيها؟

الأكثر قراءة

z