ناصر بن سلطان العموري
حين يتقاعد الموظف بعد سنوات طويلة من العمل والعطاء، فإنه لا يتطلع فقط إلى استلام معاشه التقاعدي، بل يأمل أن يجد من المبادرات ما يخفف عنه أعباء الحياة، ويمنحه بعض الامتيازات التي تعينه على تلبية احتياجاته واحتياجات أسرته. ومن هنا، جاء الإعلان عن بطاقة «مزايا» للمتقاعدين، وما ستوفره من تخفيضات وعروض، ليبعث شيئًا من التفاؤل لدى هذه الفئة.
ولا شك أن الفكرة في حد ذاتها إيجابية وتستحق الإشادة، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل ستكون هذه البطاقة مجرد وسيلة للحصول على خصومات محدودة، أم أنها ستتحول إلى برنامج متكامل يقدم منافع حقيقية يشعر بها المتقاعد في حياته اليومية؟
والتحدي لا يكمن في إصدار البطاقة أو الإعلان عن الجهات المشاركة فيها، وإنما في جاهزية تلك الجهات لتقديم المزايا المعلنة، ووضوح آلية الاستفادة منها إذ لا يعقل أن يتحمس المتقاعد لاستخراج البطاقة ودفع رسومها، ثم يكتشف عند مراجعة إحدى الجهات أن موظفيها لا يعرفون عنها شيئًا، أو أن الخصومات لم تدخل حيز التنفيذ بعد فمثل هذه التفاصيل، وإن بدت إجرائية، قد تؤثر في ثقة المستفيد بالمبادرة وجدواها.
وعند النظر إلى بعض التجارب الخليجية المشابهة، نجد نماذج اعتمدت على بناء شراكات واسعة مع المؤسسات التجارية والطبية والسياحية، وقدمت للمتقاعدين وأسرهم خصومات على المشتريات والخدمات الصحية والإقامة الفندقية والسفر وغيرها وتكمن أهمية هذه التجارب في تنويع العروض وربطها باحتياجات المتقاعد، بما يمنحه فرصة حقيقية لتوفير جزء من مصروفاته والاستفادة من امتيازات إضافية.
ومن هنا، فإن تطوير بطاقة مزايا يستدعي ألا تقتصر على الجهات الحكومية والخدمية، بل تمتد لتشمل الشركات الحكومية التي تقدم خدمات للمواطنين، وشركات القطاع الخاص بمختلف أنشطتها، كالمراكز التجارية ومحلات المواد الغذائية والمستشفيات والمراكز الطبية وشركات الاتصالات والوقود، فضلًا عن الفنادق وشركات الطيران والسياحة كما يمكن أن تشمل خصومات على فواتير الكهرباء والمياه، وغيرها من الالتزامات التي تثقل ميزانية الأسرة.
لكن الأهم من اتساع قائمة الجهات المشاركة هو وجود رؤية واضحة لنسب الخصومات وقيمتها، والتنسيق المسبق مع تلك الجهات لتحديد عروض حقيقية ومجزية، على أن تعلن كل جهة بدورها عن المزايا المقدمة لحاملي البطاقة؛ سواء عبر مواقعها الإلكترونية أو فروعها وقنواتها الرسمية، حتى لا يبقى المتقاعد في حيرة من أمره بشأن الجهات التي يمكنه الاستفادة منها وحجم التوفير الذي سيحققه ومن الضرورة وجود متابعة دورية لمدى التزام المؤسسات بالعروض المعلنة، وتحديثها والاعلان عنها بصورة مستمرة، حتى لا تكون المزايا مؤقتة أو مجرد وعود لا يجد المتقاعد أثرها عند الاستخدام.
ومن المهم أيضًا إعادة النظر في رسوم إصدار البطاقة، والأفضل أن تكون مجانية تقديرًا لهذه الفئة، أو برسوم رمزية، مع تحديد فترة تجديد كل سنتين أو ثلاث سنوات، حتى لا تتحول رسوم الإصدار والتجديد إلى عبء إضافي على المتقاعد.
المتقاعدون لا يبحثون عن بطاقة تضاف إلى محافظهم، بقدر ما يبحثون عن تقدير ملموس لسنوات عطائهم، ومبادرات تلامس احتياجاتهم وتساعدهم على مواجهة متطلبات الحياة.
بطاقة مزايا فكرة تستحق الدعم، لكن قيمتها الحقيقية لا تكمن في عدد الجهات المشاركة فيها، وإنما في حجم المزايا التي تقدمها، ومقدار التوفير المالي، الذي تحققه للمتقاعد حين يستخدمها.
