العلمانية في أذربيجان.. حين يتحول حياد الدولة إلى قيود على المظاهر الدينية

 

هدى علي **

 

حظر الحجاب في المدارس الحكومية يثير جدلاً حول حرية المعتقد والمساواة، ويفتح مواجهة سياسية مع تركيا، فأين تنتهي العلمانية وأين تبدأ حدود الحريات؟

لم يعد الجدل الدائر في أذربيجان حول الحجاب مجرد خلاف على قواعد اللباس المدرسي؛ بل تحول إلى قضية تتجاوز حدود المؤسسات التعليمية لتطرح تساؤلات أعمق حول طبيعة العلمانية التي تتبناها الدولة وحدود تدخل السلطات في المظاهر الدينية، ومدى التزامها بمبدأ المساواة بين أصحاب المعتقدات المختلفة.

ففي بلد ذي غالبية مسلمة يشكل المسلمون الشيعة النسبة الأكبر من المسلمين فيه أثارت القيود المفروضة على ارتداء الحجاب داخل المدارس الحكومية موجة من الاعتراضات، بعدما وجدت طالبات ومعلمات أنفسهن أمام خيار صعب: الالتزام بقناعاتهن الدينية أو مواجهة الحرمان من التعليم والعمل.

قرارات رسمية تفتح باب المواجهة

بدأت القضية تتخذ منحى أكثر حدة عقب قرار مجلس الوزراء الأذربيجاني الصادر في 21 سبتمبر 2026 والمتعلق بتعديل قواعد الزي المدرسي في مؤسسات التعليم العام الحكومية.

ورغم أن القرار لم يذكر الحجاب صراحة فإنه منع ارتداء أي ملابس أو إضافات تتعارض مع الزي المدرسي المعتمد أو مع ما وصفه بمبدأ التعليم العلماني.

ومع بدء تطبيق التعديلات في 12 اكتوبر ظهرت حالات منع لطالبات محجبات من دخول المدارس قبل أن تمتد الإجراءات إلى معلمات يرتدين الحجاب ما أثار احتجاجات وانتقادات داخل البلاد وخارجها.

ولم تقتصر التداعيات على الاعتراضات الشعبية؛ إذ أعلنت وزارة الداخلية توقيف 37 شخصًا على خلفية الاحتجاجات المرتبطة بتطبيق القرار وفق ما نقلته وكالة رويترز.

 

علمانية الدولة أم تقييد حرية المُعتقد؟

تتمسك السلطات الأذربيجانية بالطابع العلماني للدولة مستندة إلى الدستور الذي يفصل بين المؤسسات الدينية ومؤسسات الحكم ويؤكد الطابع العلماني للتعليم العام.

لكن الإشكالية لا تكمن في تبني العلمانية بحد ذاتها بل في كيفية تفسيرها وتطبيقها. فالمادة 18 من الدستور الأذربيجاني تنص على علمانية الدولة والتعليم في حين تضمن المادة 48 حرية الضمير والمعتقد.

وهنا يبرز سؤال جوهري: هل يقتضي حياد المؤسسة التعليمية منع الأفراد من التعبير عن معتقداتهم الشخصية حتى عندما لا يشكل مظهرهم الديني تهديدًا للنظام التعليمي أو لحقوق الآخرين؟

إن تحويل العلمانية إلى أداة لإقصاء الرموز الدينية من الحياة التعليمية يفتح الباب أمام تفسير متشدد لهذا المبدأ خصوصًا عندما تكون النتيجة حرمان فتاة من حقها في التعليم أو معلمة من ممارسة مهنتها بسبب خيار يرتبط بقناعتها الدينية. فالعلمانية في جوهرها يفترض أن تحمي حياد الدولة تجاه الأديان لا أن تجعل الاختلاف الديني سببًا للتضييق على المواطنين.

ازدواجية المعايير.. وسؤال المساواة بين الأديان

ومن أكثر النقاط حساسية في هذا الجدل مسألة التعامل مع الرموز الدينية المختلفة وما يثار بشأن وجود تفاوت في تطبيق القواعد على المسلمين واليهود وغيرهم من أتباع الديانات.

وقد تداولت منصات التواصل الاجتماعي اتهامات تتحدث عن السماح لليهود بارتداء القلنسوة الدينية "الكيباه" في مقابل منع الحجاب الإسلامي.

ذلك لا يلغي أهمية التساؤل الأوسع حول المساواة في تطبيق القوانين، ولا يعفي السلطات من ضرورة تقديم توضيحات شفافة بشأن حدود القيود المفروضة على المظاهر الدينية سواء تعلق الأمر بالحجاب أو الكيباه أو غيرهما من الرموز؛ فالمعيار الحقيقي لعدالة الدولة العلمانية لا يكون بمنع رمز ديني والسماح بآخر ولا بإخضاع الجميع لقيود غير متناسبة؛ بل بضمان الحقوق والحريات على قدم المساواة.

كما أن حرية الجاليات اليهودية في ممارسة شعائرها الدينية ضمن أطرها المجتمعية والدينية مسألة ينبغي احترامها وحمايتها تمامًا كما ينبغي احترام حرية المسلمين في ممارسة شعائرهم.

أذربيجان وتركيا.. خلاف يتجاوز الحجاب

لم تتوقف تداعيات القضية عند حدود الداخل الأذربيجاني؛ بل امتدت إلى العلاقات مع تركيا، الحليف الأبرز لباكو والتي لطالما وصفت العلاقة بين البلدين بشعار "أمة واحدة في دولتين".

فقد أثارت القيود على الحجاب انتقادات من شخصيات سياسية تركية من بينها أوكتاي سارال مستشار الرئيس رجب طيب أردوغان الذي اعتبر منع الطالبات المحجبات من دخول المدارس أمرًا غير مقبول داعيًا السلطات الأذربيجانية إلى التراجع عن القرار.

في المقابل، رد حزب أذربيجان الجديدة الحاكم بانتقاد التصريحات التركية، معتبرًا أنها تدخل في الشؤون الداخلية للبلاد ومشددًا على أن القرارات التعليمية شأن سيادي أذربيجاني.

وتصاعدت حدة التوتر مع تبادل الانتقادات بين الجانبين، وصولًا إلى تطور لافت في 30 أكتوبر حين غاب الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف عن قمة منظمة الدول التركية التي استضافتها أنقرة رغم تلقيه دعوة شخصية من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ومثّل أذربيجان فيها وزير خارجيتها جيهون بيراموف.

ورغم أن الخلافات بين البلدين لا تقتصر على ملف الحجاب؛ بل تتصل أيضًا بتباينات سياسية وإقليمية أخرى، فإن الأزمة كشفت عن تصدع في الخطاب بين حليفين اعتادا التأكيد على متانة علاقتهما، وأظهرت أن ملف الحريات الدينية بات حاضرًا في حسابات العلاقة الثنائية.

بين هوية المجتمع وخيارات الدولة

وتكتسب القضية أهمية إضافية بالنظر إلى التركيبة الدينية للمجتمع الأذربيجاني الذي يشكل المسلمون نحو 96 بالمئة من سكانه وفق تقديرات منشورة مع وجود غالبية شيعية بين المسلمين.

ومع ذلك؛ فإن الهوية الدينية للمجتمع لا تعني بالضرورة أن تكون الدولة دينية فمن حق أذربيجان تبني نظام علماني، لكن من حق مواطنيها أيضًا أن يمارسوا معتقداتهم من دون أن تتحول قناعاتهم إلى عائق أمام التعليم أو العمل.

لا يبدو أن الجدل في أذربيجان يدور حول قطعة قماش أو قواعد لباس فحسب بل حول مفهوم أوسع للحرية وحدود سلطة الدولة في تنظيم الحياة العامة.

فإذا كانت العلمانية تعني ضمان عدم فرض دين على المجتمع فهل ينبغي أن تتحول إلى منع الأفراد من إظهار معتقداتهم؟

وبين حق الدولة في تنظيم مؤسساتها وحق المواطن في ممارسة حريته الدينية تبقى المساواة هي الاختبار الأهم.

فهل تستطيع أذربيجان تحقيق التوازن بين علمانية دستورها وحقوق مجتمعها المتعدد دينيًا، أم أن التشدد في تطبيق هذا المبدأ سيجعل الحريات الفردية أولى ضحاياه؟

** صحفية لبنانية.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z