كيف يمكن هندسة الإعلام المؤسسي؟!

 

 

 

محمد بن عيسى البلوشي **

​تختزن التجربة المهنية في أروقة العمل الإعلامي- بشقيه العام والخاص- جملةً من التساؤلات الجوهرية التي تتماسّ مع كفاءة المنظومة المؤسسية ورصانة خططها الاتصالية. ولعلّ السؤال الأكثر إلحاحًا الذي يفرض نفسه اليوم على منصات الفكر القيادي والإعلامي هو: هل تستند دوائر الإعلام والتواصل المؤسسي في رسم توجهاتها وتقييم أنشطتها إلى دراسات أكاديمية ومسوح بحثية دقيقة تُفكّك تراكمات العقود الماضية؟ أم أن العمل ما زال يرزح تحت وطأة الاجتهادات الفردية والأنماط التقليدية الموروثة؟

القراءة المتأملة للأنشطة الإعلامية المُنفّذة تظهر- في كثير من الأحيان- ارتهان الخطاب المؤسسي إما للرؤية الشغفية الفردية، وإما للاستسلام لما يُمكن تسميته السير على نهج النمطية السائدة تحت شعار "هذا ما وجدنا عليه العمل". ونتيجة لذلك، ظل الخطاب الإعلامي المؤسسي يدور في فلك السجية العفوية، مقدمًا مستويات إخبارية مجردة تتسم بالسطحية، ولا تلبي تسارع وتيرة التلقي، ولا تستجيب لارتفاع سقف الوعي لدى الجمهور المستهدف في عصر التكثيف الرقمي وتدفق المعلومات.

​ولترسيخ تحول هيكلي ينقل دوائر التواصل من خانة "التغطية الإجرائية" إلى "صناعة التأثير"، يُصبح من المتطلبات المفصلية تأصيل السير في العملية الإعلامية وفق منهجية علمية صارمة. وتبدأ هذه المنهجية بإجراء تدقيق إستراتيجي وتأصيل أكاديمي شامل يقيّم فعاليات وأنشطة المرحلة الماضية (خمس سنوات على الأقل)، بهدف تفكيك مخرجاتها، وقياس العائد على السمعة المؤسسية، ومن ثم ربط نتائجها بالمتطلبات الأساسية والغايات الكبرى للجهة بعد التوافق الحاسِم عليها مع القيادة العليا للمؤسسة.

هذا التأصيل البحثي يشكل الحجر الأساس للنهوض بـ"رأس المال البشري" في دوائر الإعلام والتواصل؛ حيث يتحول الاستثمار في الكوادر من مجرد دورات تدريبية استهلاكية إلى برامج تمكين موجهة لتلبية الاحتياجات الفعلية المباشرة لعمل المؤسسة، ويتعدى هذا التمكين بناء القدرات الذاتية إلى نقل المعارف والخبرات المتبادلة محليًا، والتعرف على أفضل الممارسات الإقليمية والدولية التي أثبتت نجاحها في صناعة التحول المؤسسي وإدارة الأزمات الشاملة.

قد لا تكون دوائر التواصل المؤسسي قد اعتادت تاريخيًا على هذا النمط من الحوكمة العلمية والاستشراف الإستراتيجي، والذي يسعى لإعادة التموضع العملياتي واقتناص الفرص المتجددة. والهدف هنا ليس إلقاء اللوم على المراحل السابقة بقدر ما هو دعوة واعية إلى بلورة تفكير مهني متقدم يتكيف مع الواقع الجديد الذي فرضته العولمة والتحولات الرقمية المتسارعة، وتداخل الفضاءات الإعلامية.

​وفي هذا السياق، تنبغي الإشارة إلى أن غياب الكفاءات الإعلامية المتخصصة عن قيادة بعض دوائر التواصل يُعدّ أحد التحديات الهيكلية؛ غير أن القناعة تترسخ أيضًا بأن دعم رئيس الوحدة وإيمانه بالقيمة الإستراتيجية للإعلام يُشكل الضمانة الأساسية لإعادة التموضع المنشود. فبدون غطاء قيادي يدرك خطورة الصورة الذهنية وأهمية الاتصال الإستراتيجي، تبقى المبادرات البحثية مجرد أدبيات نظرية حبيسة الأدراج.

​إنَّ المرحلة الراهنة تتطلب استدعاءً عاجلًا للإعلاميين والأكاديميين المتخصصين في البحث العلمي الميداني، لدمج النظرية بالخبرة التطبيقية؛ فهذا المزج الإستراتيجي بين العلوم الأكاديمية والممارسة المهنية هو السبيل لتجويد مخرجات التواصل المؤسسي، وقيادة الصورة الذهنية لمؤسسات الدولة بكفاءة واقتدار، وبما يحقق المواءمة المطلوبة مع التوجهات الوطنية الكبرى ومُستهدفات الرؤى الإستراتيجية المستقبلية.

** إعلامي وباحث اقتصادي

الأكثر قراءة

z