هل يمكن لقراءة دوستويفسكي أن تغيّر عقل الإنسان؟

 

 

 

محمد أنور البلوشي **

لديّ مجموعة على "واتساب" تجمعني بعدد من الأصدقاء المهتمين بالأدب، وكثيرًا ما تأخذنا أحاديثنا بعيدًا بين الرواية والشعر والفلسفة والكتّاب، وبين تلك المتاهة العجيبة التي نسميها الطبيعة البشرية. والمثير أنَّ حواراتنا كلما ازدادت عمقًا، وكلما اقتربنا من أسئلة الألم والأخلاق والذنب والحرية والإيمان والتناقض الكامن في الإنسان، عاد اسم واحد ليطل علينا من جديد، فيودور دوستويفسكي.

بعضنا يقرأه بإعجاب يكاد يبلغ الشغف، وبعضنا يتساءل عن كل ذلك الظلام الذي يسكن عالمه، بينما يحاول آخرون أن يقارنوا أفكاره بما تقوله الفلسفة وعلم النفس الحديث. ومن هنا جاءت هذه المقالة بوصفها شيئًا من انعكاس تلك الحوارات والنقاشات، التي دفعتني مرارًا إلى سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه ليس كذلك في جوهره. هل يمكن لقراءة دوستويفسكي أن تغيّر عقل الإنسان فعلًا؟

ازداد فضولي بعد أن شاهدت عددًا من الحوارات والمحاضرات على "يوتيوب" التي يتحدث فيها الدكتور جوردان بيترسون عن دوستويفسكي، وعن فهمه الاستثنائي للمعاناة والمسؤولية والأخلاق والنفس البشرية. وأكثر ما يثيرني في عالم دوستويفسكي هو أنه لا يتعامل مع المعاناة بوصفها حزنًا عابرًا، بل يحوّلها إلى نافذة نطل منها على الكبرياء والضمير والإيمان والمرارة والحب، وعلى ذلك البحث الإنساني اليائس عن معنى للوجود.

ولهذا فإنَّ قراءة دوستويفسكي ليست مجرد قراءة للأدب. إنها أحيانًا أشبه بالدخول إلى قاعة محكمة، غير أن المتهم والمدعي والشاهد والقاضي جميعهم أصوات تسكن عقل الإنسان نفسه. تشكل أعماله الكبرى رحلة استثنائية في دهاليز ذلك العقل، ومنها "الفقراء"، و"الشبيه"، و"قرية ستيبانتشيكوفو"، و"المذلون والمهانون"، و"مذكرات من بيت الأموات"، و"مذكرات من تحت الأرض"، و"الجريمة والعقاب"، و"المقامر"، و"الأبلَه"، و"الزوج الأبدي"، و"الشياطين" التي تُرجمت أيضًا بعناوين أخرى مثل "الممسوسون"، و"المراهق"، و"الإخوة كارامازوف".

أما أعماله الأقصر، فتضم نصوصًا خالدة مثل "الليالي البيضاء"، و"الوديعة"، و"حلم رجل مضحك"، و"التمساح". تختلف القصص والشخصيات والأمكنة، لكن سؤالًا هائلًا يكاد يقف خلفها جميعًا، ما معنى أن يكون المرء إنسانًا؟

في "الجريمة والعقاب" نواجه الجريمة والضمير، ونقف أمام السؤال المرعب حول ما إذا كانت النظرية الفكرية قادرة على أن تجعل الإنسان يضع نفسه فوق الأخلاق التي تحكم الآخرين. وفي "الإخوة كارامازوف" يأخذنا دوستويفسكي إلى صراع الإيمان والشك والأسرة والمسؤولية ووجود الشر. أما "الأبلَه" فيضع الطيبة والبراءة في مواجهة مجتمع غير كامل، وكأنه يسألنا إن كان الإنسان النقي قادرًا أصلًا على العيش في عالم لا يكافئ النقاء.

وفي "الشياطين" نرى كيف يمكن للفكرة أن تتحول إلى قوة تستولي على الإنسان، بدلًا من أن يكون الإنسان هو الذي يمتلك الفكرة. أما "المقامر" فيكشف هشاشة الإنسان أمام الهوس والرغبة، بينما ترسم "الليالي البيضاء" الوحدة والخيال والحب الذي لم يكتمل برقة مؤلمة، حتى يصبح الحلم أحيانًا أكثر حضورًا من الواقع نفسه.

لكن "مذكرات من تحت الأرض"، وهي الأقرب إلى نفسي، تحتل مكانة خاصة في فهمي لعالم دوستويفسكي. فقد شاهدت على "يوتيوب" عرضًا مسرحيًا دراميًا أدى فيه لاري سيندار شخصية "رجل تحت الأرض". وما أسرني في العرض هو بساطته. رجل يقف على المسرح، يتحدث ويتذكر ويسأل ويناقض نفسه، وكأنَّه يخوض معركة لا يراها أحد.

هناك أدركت أن دوستويفسكي لم يكن بحاجة إلى ساحة حرب كي يصنع الصراع، لأنَّ أعنف ساحات الحرب عنده كانت موجودة أصلًا داخل عقل الإنسان.

وربما لهذا السبب يزعجنا "رجل تحت الأرض". فنحن، وإن لم نكن مثله، قد نعثر في داخله على شظايا صغيرة منَّا. كبرياء يختلط بعدم الثقة، وذكاء يقود أحيانًا إلى تدمير الذات، ورغبة عميقة في أن يفهمنا الآخرون، تقابلها رغبة غريبة في الهروب ممن يحاولون فهمنا.

ومن هنا، فإنَّ "تحت الأرض" ليست مكانًا بالمعنى الجغرافي، بل استعارة لتلك الغرف السرية في وعينا، حيث تختبئ المرارة والوحدة والإهانة والكبرياء الجريح، وحيث نحتفظ بأشياء قد لا نملك الشجاعة للاعتراف بها حتى أمام أنفسنا.

ولعل هذا يفسر لماذا تظل الآراء حول دوستويفسكي شديدة ومتباينة؛ فهناك من يراه واحدًا من أعظم من كتبوا النفس البشرية في تاريخ الرواية، بينما يراه آخرون مظلمًا ومرهقًا ومفرطًا في الانشغال بالألم. وربما يكون كلا الموقفين مفهومًا، لأن دوستويفسكي لا يسمح للقارئ بأن يبقى متفرجًا مريحًا خارج النص. إنه يسحبه إلى الداخل، ويضعه في قلب المحاكمة.

راسكولنيكوف يجعلنا نعيد التفكير في الجريمة والتبرير. الأمير ميشكين يدفعنا إلى مراجعة مفهوم البراءة. إيفان كارامازوف يزعزع الإجابات السهلة عن الإيمان والمعاناة. أما رجل تحت الأرض فيهدم ثقتنا المطلقة بفكرة أن الإنسان كائن عقلاني يتصرف دائمًا وفق مصلحته.

شخصيات دوستويفسكي لا تسألنا فقط "بماذا تؤمن؟"، بل تطرح سؤالًا أشد خطورة، هل ستظل تؤمن بالفكرة نفسها إذا اضطررت إلى أن تعيش نتائجها؟

ربما لهذا لا يزال دوستويفسكي حاضرًا في مجموعات الأدب على "واتساب"، وفي قاعات الجامعات، والنقاشات الفلسفية، والمحاضرات الحديثة على "يوتيوب". مات الرجل سنة 1881، لكن الأسئلة النفسية والإنسانية التي كتب عنها لم تمت معه. فما زال الإنسان يصارع الغيرة والإهانة وعدم المساواة والإيمان والوحدة والطموح والذنب، وما زال يبحث عن اعتراف الآخرين به، وكأن شيئًا عميقًا في النفس البشرية لم يتغير رغم كل ما تغير حولها.

فهل تغيّر قراءة دوستويفسكي عقل الإنسان؟ ربما لا تغيّره بالطريقة البسيطة التي نستبدل فيها رأيًا برأي آخر. دوستويفسكي يفعل شيئًا أعمق من ذلك. إنه يجعل اليقين نفسه غير مريح.

بعد قراءته يصبح من الصعب أن نقسم البشر بسهولة إلى أخيار وأشرار، وأقوياء وضعفاء، وعقلانيين وغير عقلانيين. نكتشف أن الخير قد يسكن إنسانًا مليئًا بالتناقضات، وأن الشر قد يجد لنفسه منطقًا، وأن العقل يستطيع أن يبرر ما يرفضه الضمير، وأن الإنسان قد يعرف الطريق الصحيح ثم يختار غيره، لا لأنه يجهل الحقيقة، بل لأن النفس البشرية أكثر تعقيدًا من أن تختصرها معادلة عقلية واحدة.

وربما هنا تكمن عظمة الأدب الحقيقي. فهو لا يغيّر عقولنا دائمًا لأنه يمنحنا إجابات جديدة، بل لأنه يجعل إجاباتنا القديمة غير كافية. نغلق كتاب دوستويفسكي، لكن دوستويفسكي، بطريقة غريبة، لا يغلق حواره معنا.

** محاضر الاقتصاد بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z